IMLebanon

إسماعيل سكرية: أكثر من اصطدمت معهم في وزارة الصحّة من جماعة 8 آذار

 

أحرج “الحزب” فاستُبدل بأخيه الوليد

 

 

هو النائب الشعبي السابق الذي لم يقفل بابه يوماً في وجهِ أحد، ولم تتدحرج من يده كرة ملف الصحة والدواء المثقل بالفساد لحظة، ولم يقبل أن يسكت عن «خطأ» فقُبع من النيابة من أهل البيت. ذهب هو وأتى شقيقه الوليد عضواً في كتلة الوفاء للمقاومة. فهل خسر إسماعيل سكرية لأنه تجرأ حيث لا يجرؤ الآخرون؟ هو إبن الفاكهة، النائب العازب، الذي نجح في التعبير عن نفسه والإنسجام مع ذاته وقناعاته، الذي واجه مافيا الدواء والصحّة، وقال عنه سعيد عقل: حاكموا هذا الرجل أو حكّموه وأعطوه فرصة. رحم الله سعيد عقل وأطال الله بعمر إسماعيل سكرية الرجل الذي كرّر أمامنا مرات: عشتُ محطات مليئة بالعِبر.

 

يستقبلُ منذ 33 عاماً مرضاه في نفس العيادة، القريبة من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت. الجميع يعرفه وهو يعرف الكثيرين. وها هو يمضي وقته اليوم بين مهنة الطب (إختصاصي في أمراض الجهاز الهضمي والمناظير) والهيئة الوطنية الصحية التي أسسها في العام 2001 وبين بلدته الأم الفاكهة في محافظة بعلبك الهرمل. شعره الأبيض الناصع مسرّح دائما بعناية شديدة. يمشي على الطريق فيتلقى عشرات التحيات. الناس، في اختصار، يحبّونه. نبدأ حديثنا معه، من ملف الى ملف، ومن محطة الى محطة، ومن تحدٍّ الى عبرة الى فشل الى نجاح وفي كلها يبقى متحمساً الى وجوب المثابرة من دون أن يخفي حزنه بقوله: يحرق دينو هالبلد… بلد مريض… خلصينا بقا.

 

لم ننه الحديث بل بدأناه بسؤالٍ عن طفولته علّه يهدأ: «إبن الفاكهة، القرية التي شهدت دائما على عيش مشترك سليم طوال الأحداث التي المّت بلبنان فاستمرّت العلاقات قوية بين الطائفتين الموجودتين السنّة والكاثوليك. السلام ثقافتنا وبلدتنا سبقت غيرها في التعليم وأحد أبرز الأسباب هو الوجود المسيحي فيها والإرساليات والبعثات التربوية. هذا كان له أثر إيجابي على الطرف المسلم في البلدة. ووالدي محمد كانت له قصّة مع التعليم. أحبه. وعلمنا جميعاً. درستُ في برمانا العالية (هاي سكول). ووالدي كان يدرس في مدرسة العازارية في الشام في العام 1932 وكان من رعيل نصري المعلوف وناظم القادري. أختي مهى درست في بيزونسون بعبدات. كنا سبعة أولاد، أربعة صبيان: أنا والوليد (النائب السابق في البرلمان في كتلة الوفاء للمقاومة) وصالح طبيب في فرنسا وعبد الملك طبيب أسنان. وثلاث بنات: مهى ومنى (الصحافية منى سكرية) ومريم المسالمة جداً بيننا ونقطة ضعفنا وحبيبتنا. حبّنا لمريم لا يوصف وفيه شيء من الضعف إذا صحّ التعبير ربما لأنها تعرضت الى حادث في طفولتها، وقعت على رأسها، ولم تستطع إكمال دراستها لكنها تزوجت وأنجبت وكل أولادها درسوا في الجامعات. أما الوالدة فكان اسمها شهرزاد. كان والدي محمد عروبياً ووطنياً حقيقياً لا في الشعارات. في أحداث العام 1958 كان همه الأهم حماية الحي المسيحي في البلدة ممن يريدون أن يتسلطوا ويسرقوا ويعاقبوا. وأكبر موقف وطني أخذه يوم الهجوم على القاع في واحد تموز العام 1975. كان الوحيد الذي وقف في وجه غابة من الرشاشات الجاهزة للهجوم على القاع – وأنا كنت موجوداً- وقال لهم: ما تقترفونه خطأ كبير. أنتم تهجرون المسيحيين. ودفع لاحقاً ثمن ذلك. وهذه الحادثة وثقها الأستاذ في الجامعة اللبنانية جورج رزق في كتاب. أما الفكر العروبي الذي انتهجه فهو الفكر المستنير لا الغوغائي. أنا لم أدخل في حياتي حركات الحرتقة».

 

النيابة والطب

 

انتخب سكرية نائباً في البرلمان اللبناني عن دورتي 1996 و2005 ورسب في انتخابات 1992 وحول ذلك يقول: «كانت إنتخابات عام 1996 بالنسبة إلي فريدة. إخترقت على مستوى محافظة البقاع كلها. وأعطتني زحلة أصواتا كثيرة. الرقم الكبير الذي حصدته كان من أصوات المسيحيين في زحلة وكانت أشبه بالعمود الفقري الذي أوصلني الى الندوة البرلمانية. سئلت يومها عن سبب ترشحي فأجبت: لأنني بحكم تربيتي منفتح على الناس والعمل الوطني ويستطرد: الطب هو الإختصاص الذي فيه إحتكاك مباشر مع الإنسان الذي يتجرد امامنا من أسراره وهذه ليست مزحة أبداً. نتفاعل في العمق معه ويثق بنا. ترعرت على دفء العلاقة مع الناس. وبيتنا القديم كان من الطين والحور وسقفه خشبي. وكان يتقدمه ما يسمى بالمنزول مفروش على الطريقة العربية وعلى أرضه سجادة مصنوعة من سجاد بلدة الفاكهة والطين السميك كان يمنحنا دفئا في الشتاء وبرودة في الصيف. وكان البيت مفتوحاً يومياً على لقاءات مختلطة وأشبه بمنتدى أو ملتقى يتم التناقش فيه في القضايا العامة ومصلحة الضيعة والقضايا السياسية الكبرى. كنت امكث هناك في الفرص أكثر مما كنت العب».

 

خيار مهنة الطب انطلق من خلفية تربيته ويقول: «ضغط علي الوالد كي أصبح طبيباً. وألحّ علي أن أشتغل في الطب العام في بلدتنا قبل أن أتابع تخصصي. وساعدت نساء كثيرات ان يلدنَ وقتها. كنت أول طبيب يصعد الى البقاع الشمالي. كان في الهرمل طبيب من أصل سوري يسكن في الهرمل أما في ضيعتي فكان الطبيب نجيب مراد رحمه الله من إخواننا الكاثوليك. كان متقدماً في السنّ وأنا شاب درست في الجامعة الاميركية في بيروت فزحفت المنطقة نحوي. وأتذكر أنه بعد أسبوع من صعودي الى المنطقة كطبيب عام دقوا بابي قائلين إن إمرأة على وشك الولادة بحاجة الى مساعدة. قلت في نفسي لا حول ولا قوة إلا بالله وهذه ليست مهمتي لكن ماذا أفعل مع من التجأوا إليّ؟ حملت حقيبة الطوارئ وذهبت إليها ولحسن حظي كانت تنجب طفلها السادس وهذا ساعدني كثيراً. كانت هناك سيدة تسخن المياه وأخرى تغني لها لتهدأ وأنا أدعو من الله أن يخلصني من هذه المعمعة. ساعدتها ومشي الحال. وكرجت القصة. وأتذكر (ما اريد أن أكتبه في مذكراتي) عن قصة فيوليت نصر التي أنجبت مولودها ليلة عيد الميلاد. دقوا على بابي وقالوا لي: تفضل يا حكيم حان موعد وضع فيوليت طفلها. كانت ولادتها متعثرة. وضعتها في سيارتي لأنقلها الى مستشفى الهرمل الأقرب إلينا. جلست شقيقتها الى جانبي وأجلست هي في المقعد الخلفي بين والدتها وحماتها وأثناء الطريق، عند جسر العاصي، أطلقت هيداك الصوت وتدخل ربنا وأنجبت طفلاً سمته ميلاد. ويوم توفي والد الأب يوسف نصر (الأمين العام للمدارس الكاثوليكية في لبنان حالياً) إقتربت مني إمرأة وقالت لي: أنا شقيقة فيوليت التي كانت تجلس الى جانبك وأنجبت على الطريق. حدثت معي سوالف كثيرة جعلتني أكثر قرباً من الناس».

 

تابع إسماعيل سكرية التخصص في الطب في جامعات مصر ولندن ونيويورك ويقول: «إخترتُ في البداية إختصاص أمراض الدم لكن الدكتور خليل أبو فيصل الذي كان رئيس قسم الأمراض الداخلية دعاني وسألني: لماذا اخترت أمراض الدم؟ أجبته: أراه قليلاً والمرض يزداد. قال لي: أنت الشاب الطبيب الشعبي هل تريد أن تكون آخرتك ورقة نعوة؟ هو قصد بما قال أن أمراض الدم بغالبيتها سرطانية وأقنعني بالجهاز الهضمي وكنت أول من دخل الى هذا الإختصاص يوم افتتح في الجامعة الاميركية». ويتذكر: «في العام 1978 إفتتحت أول مستوصف في البقاع الشمالي إسمه المستوصف الشعبي على الطريق الدولية وعالجت الناس مجانا».

 

في العام 1992 ترشح أول مرة للنيابة فمن أطلع بنيته؟ يقول: «لم يرني والدي نائباً فهو توفي في آذار عام 1992. وكان قد ترشح بدوره عام 1960 الى الإنتخابات لكنه لم يصل. أسقط عمداً من الشعبة الثانية. نام ناجحاً واستفاق راسباً بعدما اعلنوا عن وجود صندوقين في الجرد تأخرا في الوصول الى مكان الفرز. يسكت. ثم يقول: بلا الحديث عن هذا الموضوع. إنه نموذج عن الديمقراطية المفقودة».

 

رسب هو في انتخابات 1992 (حصد منفرداً 17500 صوت وكان الحصاد الاعلى مقابل لائحة حزب الله) ونجح في انتخابات 1996 ويقول: «يوم ربحت زرت قبر والدي وقلت له: أنت ظُلمت بعد أن أعلن فوزك ضمن لائحة صبري حمادة لكن إبنك نال منفرداً 53 ألف صوت وأعترف أن السبب في ذلك تضامن الناخبين معي الذين شعروا أنني تعرضت لغبنٍ من عبد الحليم خدام ورفيق الحريري اللذين رشحا بدلا مني على اللائحة التي ضمت كل أحزاب السلطة شخصاً من عرسال هو حسن الحجيري. ويستطرد: كانت علاقتي دائماً ملتبسة، بمعنى فقدان الود ووجود الحذر من الحريري تجاهي. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية كان الثقل السني الكبير في عرسال لا في الفاكهة لذلك تم الإستغناء عني. كذلك فعل الحزب (حزب الله) الذي خاف أن يفقد السني الآخر الذي من حصته فرشح شخصاً آخر من عرسال هو علي الفليطي لكنني نجحت بعدما تخلى الجميع عني في آخر لحظة وغدروا بي».

 

أحرجتُ الحزب

 

لم يدعم حزب الله إسماعيل سكرية مع العلم أن علاقته معهم كانت جيدة ويقول: «بشكلٍ عام علاقتي معهم جيدة فأنا ضد إسرائيل لكن حين تصل الأمور الى النيابة يضع الجميع عينه على مركز الثقل السني وهو عرسال. هذا اولًا، ثانياً أنا سببت – برأي الحزب – إحراجاً له بسبب مواقفي في ملف الصحة والدواء التي لا أقبل التراجع عنها».

إذا صحّ ذلك، فلماذا ما عاد الثقل العرسالي حاجزاً يوم رشحوا شقيقه الوليد سكريه وضموه إليهم؟ يجيب: «كي أكون منصفاً، هذا صحيح جداً، فهم لم يمشوا بهذا المفهوم في 2005 واستبعدوني واستبدلوني بشقيقي لأنه مصدر إرتياح سياسي لهم ورأوا أن للإنتخابات حسابات خاصة هم ادرى بها. وشو بدي إحكي لأحكي. لكن، ما يمكنني أن أقوله وبجرأة أن ممارساتي شكّلت إحراجا للحزب الذي هو في النهاية قوة سياسية يضطر أن يساير ويغض الطرف لحسابات سياسية».

لكن، ما اعتبر إحراجاً لطرفٍ هو لمصلحة الناس؟ يجيب: «أنا اكثر نائب بتاريخ لبنان مارس دور النائب الحقيقي وحمل قضية هي الأهم والأخطر وتتمثل بالصحة العامة والدواء والغذاء والمياه والإستشفاء والهواء والتلوث. وهذا ليس دارجاً، على الموضة، في لبنان. كرستُ تقليداً سياسياً جديداً وهو فصل نائب الأمة إنتماءه السياسي عن مصالح الناس الجامعة وهذا ليس سهلاً وبسيطاً في بلد مثل لبنان. وأنا أكثر وزراء الصحة الذين إصطدمت معهم كانوا من جماعة 8 آذار. كان يفترض أن أبقى تحت سقف خيمتهم لكني خاصمتهم منذ العام 1997. «أتخن» نائب حين يكون الوزير حليفه يصمت لكن ما حصل أنني لم أتشاجر إلا مع الحلفاء. أعترف بذلك. حاولت أن أخلق نهجاً جديداً وتحريض الناس على مفهوم مختلف بأن كرامتهم أعظم من زعيمهم. كانوا يسألونني ما هو الحلّ فأجيبهم: الحلّ يكون حين يفصل المواطن اللبناني بين عواطفه السياسية (وإن كانت حقاً له) وبين حقّه أقله في الصحة فلا يعود يقول عن من يحرمه من صحته هذا حليفنا ومن صلة بيت الرحم». ويستطرد: «ما حدا عملها إلا محسوبك» في تاريخ لبنان. الدكتور إميل البيطار رحمه الله – وله كل الإحترام – قصّته معروفة في الموضوع لكنه إصطدم وسقط في مجلس النواب. نحن مضت على مواجهتنا 27 عاماً من النضال المستمر».

 

27 عاما من النضال لكنك قوصصت وتمّ إستبعادك نيابياً؟ يجيب: «أنا محاصر في السياسة بشكلٍ عام وليس مرغوباً أن أكون في حضن العمل السياسي لأنني إخترت – ولي الشرف – طريقاً مختلفاً عكس السير. لو اتبعت الروتين السائد لكنت وزيراً ولكنت جمعت ملايين الدولارات ولكانت الأمور مفروشة بالورد أمامي من السوري ومن اللبناني».

 

 

 

من بلّغك أنك لن تترشح الى الإنتخابات وبدلا عنك سيتم اختيار شقيقك؟ يجيب: «هذا الأمر لم يحتج الى تبليغ. رأيته ولمسته. وهذا شقيقي». ماذا قال لك شقيقك؟ «سأقول ما فعلته على درج المجلس النيابي: كنت إيجابياً ودعمته».

 

نسأله: دعمت شقيقك لكنك تخليت عن الناس الذين حملت ملف الصحة والدواء باسمهم. خسرت موقعك النيابي… يجيب: «المناخ السياسي في لبنان لا يحتمل ممارسة دور النائب الفعلي الصحيح». يتمهل ويتابع: «هل تعرفين ما هو المشهد الذي كان يرعبني كثيرا؟ ولماذا أقول أنني لست متفاجئاً مما يحصل في لبنان؟ كنت أقدّم معلومات في مجلس النواب يمكن أن تُسقط حكومات في المجتمعات الديمقراطية لا مجرد وزير صحة. هل تتخيلين أنني قلت لهم أنني إكتشفت أن دواء للسرطان قتل مريضتي كما قتل غيرها وأن دواء «بلافيكس» قتل شاباً من بيت أبو حيدر كان يضع في شرايينه راسورا. وغيرها وغيرها من القصص… هناك أكثر من خمسين ملفاً مجمداً في قصر العدل حالياً لكن لم ينطق أي نائب حولها بأي كلمة. هذا المشهد كان يرعبني. وإذا كانت قضايا الصحة لا تستنفر المسؤول والمواطن طبيعي أن نصل الى ما وصلنا إليه».

 

الإنسان محرّكه

 

 

ملف الصحة والدواء شائك والفساد يحوم حوله. لكن، هل الفساد عام؟ هل يمكنه أن يستثني طرفاً منه؟ يجيب: «في المناخ السياسي العام يغلب طابع الفساد مباشرة من خلال الإنخراط به أو من خلال مهادنة الفساد ومسايرة من يقوم به وإما من خلال الصمت عنه في أحسن الأحوال».

يتحدث سكرية عن تجربته مع ملف الدواء والصحة التي انطلقت في البدايات من ردات فعل سلبية عبر الأصدقاء وقولهم له: يبدو انك ترغب في الظهور الإعلامي وأن تستغل ما تفعله سياسياً وأن تبيع وتقبض وأن وأن… ويشرح: «كنت اتشاجر مع الجميع ومن ضمنهم اللجنة الصحية في البرلمان لكن، لاحقا، كبرت الدائرة التي ساعدتني. صحيح أن ذلك أخذ مني وقتاً كوني معتاداً على العمل الفردي. شكلنا عام 2001 الهيئة الوطنية الصحية الإجتماعية التي هي تجربة جديدة في لبنان وتضم كل الطوائف والإنتماءات، من القواتي في دير الأحمر وصولاً الى إبن بعلبك. وتابعت ما بدأت. لم أقبل بتسليم الملف والبقاء في البيت. تابعت في القضية التي اعتبرتها دائما محقة».

 

ملف الدواء

ممتاز، لكن واقعياً، أين يمكن صرف ما اعتبرته صموداً حتى ولو كنا ننحني أمام نضالك في ملف يقارع كرامة الإنسان؟ يجيب: «حين لا تساندك مجموعات وقوى على الأرض تصبح المسائل أكثر صعوبة. الله يرحم سعيد عقل كتب قائلا: هذا الرجل حاكموه او حكّموه أي اعطوه فرصة». ويستطرد: «هل النجاح برأيك هو فيلم Gringo يربح فيه البطل او يموت؟ النجاح يتطلب ثقافة مواطنية وتشكيل قوة دعم من الناس»

 

لكن الناس إنتخبوك وأنت قبلت أن تغيب أو «تُغيّب»؟ يجيب بجملة أسئلة: «هل تعتبرين أن القرار بيدي؟ هل هو قراري ألّا أكون نائبا؟ هل أنا من قلت لهم: باي باي؟ شو قصتك؟ هذا توزيع سياسي. لو كان القانون مختلفاً لترشحت منفرداً. أنا كسرت تقليدا في لبنان وهو ان النائب حين يخرج من النيابة يعود الى بيته وحياته السابقة أما انا فمكثت في الشأن العام».

الدكتور إسماعيل سكرية إسمه حاضر جداً. هذا صحيح. وهو أكثر من تابع ملف الصحة والدواء منذ 27 عاماً. نسأله: من هو وزير الصحة الأجدر الذي مرّ في لبنان؟ يجيب: «الدكتور إميل البيطار رحمه الله لكن لعلمك سقط في المجلس النيابي. الناس لا يعرفون ذلك. وهناك، وزير صحة صحيح كانت مدته قصيرة لكنه عمل بشفافية مطلقة ومن دون حسابات ومراعاة سياسية هو الدكتور كرم كرم».

 

على طاولة إسماعيل سكريه عبارة: الصحة حقّ وكرامة. هو يحبّ الشأن العام والطبيعة. يجلس ساعات في بلدته يراقب ذكاء النملة وعملها الجاد ويقول: سبحان الله. يعشق الموسيقى القديمة وخصوصاً موسيقى الست أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وأحبّ في شبابه كثيراً ديميس روسوس في أغنية: far away ويقول: «أحب الأغنيات العاطفية». نقاطعه بسؤال: عاطفي لكن عازب؟ يجيب: «أنا وجداني بطبيعتي مع أنني أعزب». هل لم يجد نصفه الآخر؟ يقول: «هذا السؤال صعب لا بل هو الأكثر صعوبة. النية كانت موجودة لكنها إصطدمت بعدم توافر سبل نجاح التفاهم الشخصي».

 

هو ينتقد في ما سبق من تاريخه أنه أخطأ في ترتيب الأولويات وهندستها «كان يفترض مزيداً من التوازن». وأين أصاب؟ يجيب: «أصبت في أنني عبّرت عن نفسي وانسجمت مع ذاتي وقناعاتي ومبادئي على الرغم من الأثمان الباهظة التي دفعتها لذلك. لكنني أعتبر ذلك كسباً وجعلني أنام مرتاحا».