IMLebanon

الضغوطات الخارجية على الإقتصاد إلى إرتفاع والمواطن يدفع الثمن

 

بالأرقام… عدم أخذ إجراءات صارمة سيزيد من التضخّم ويُطيح بالليرة

المواطن ضحية عمليات الإبتزاز وآخر فصولها الكتب المدرسية والقرطاسية

 

 

غياب الإجراءات الضرورية من قبل المسؤولين للجم التدهور الإقتصادي، والمالي، والنقدي، يُعقّد الأمور ويجعل الخروج من الأزمة مُكلفاً إجتماعيًا يوما بعد يوم. الظاهر أن الأمور قد خرجت عن السيطرة بعد كل ما عصف بلبنان من قرارات حكومية خاطئة (بدءاً بوقف دفع سندات اليوروبوندز، إضافة إلى إقتراح خفض سعر صرف الليرة، وصولاً إلى عدم إرادة القيام بإصلاحات)، وجاء تفجير المرفأ مع ما له من تداعيات كارثية على الثقة بالإقتصاد والليرة، وجائحة كورونا التي هي بالأساس عامل تفقير للشعوب، بالإضافة إلى التخبّط السياسي الحالي الذي يمنع تشكيل حكومة تُعيد الثقة بالإقتصاد وبالوطن ككل.

 

التركيز على تحفيز الإقتصاد نابع من منطلق أن النمو الإقتصادي (أي الثروات المخلوقة من الماكينة الإنتاجية) هو العامل الوحيد القادر على إمتصاص الخسائر وإعطاء المواطن حياة كريمة. وتحفيز الإقتصاد ليس بأمر صعب، جلّ ما في الأمر إعادة الثقة بهذا الإقتصاد من خلال خطوات عملية لها تداعيات فورية على هذه الثقة وتسمح بإعادة الإستثمارات التي من دونها لا مكان ولا بارقة أمل لأي نمو إقتصادي.

 

النظرية الإقتصادية واضحة وجازمة على هذا الصعيد: لا نمو إقتصادي من دون إستثمارات! ولا إستثمارات من دون إستعادة الثقة، ولا إستعادة للثقة من دون إصلاحات. هذه الإصلاحات تتضمّن في المرتبة الأولى بالنسبة للبنان وقف الهدر والفساد في المرافق العامّة وذلك بحكم أن حاجة الدولة لتغطية عجزها أصبح هائلا ويستنزف قدرات القطاع المصرفي المالية. كما تتضمّن هذه الإصلاحات حكماً تحفيز الإطار القانوني للإستثمارات من خلال إعطاء القطاع الخاص الحريّة (مع ضوابط) من دون تدخّل القطاع العام في اللعبة الإقتصادية إلا من باب الرقابة، والتنظيم والتشريع.

 

إن إنتظار نتائج التحقيق الجنائي المالي للقيام بإصلاحات هو إنتحار فعلي لا أظنه يحصل في نظام من الأنظمة الحديثة! فمع ضرورة القيام بهذا التحقيق لاستعادة الثقة المخطوفة، يجب أن يمّتد هذا التحقيق ليطال أيضاً كل مؤسسات ووزارات الدولة من العام 1993 وحتى يومنا هذا وذلك لرسم صورة واضحة وكاملة للثغرات ومسببات الانهيار الحالي.

 

إن وسيلة ما يعرف بكسب أو «تقطيع» الوقت أصبح مُكلفًا، وهو يدل على أحد أمرين في نظرنا الخاص، إما إمعان في هدم آمال اللبنانيين أو فشل وعجز في إيجاد الحلول… وما يحصل اليوم من إنتظار لتشكيل الحكومة للقيام بعدد من الإصلاحات الضرورية والأساسية هو مثل من أمثلة كثيرة تدخل في مفهوم حرق الوقت.

 

وسيناريو إنتظار التغيّرات الإقليمية والدولية لتشكيل الحكومة اللبنانية هو الأكثر إحتمالا نظرا للتطوّرات الحالية. وما بين العاجز والشامت على هذا الوضع، هناك فاتورة يدفعها المواطن اللبناني كل يوم من خلال تراجع قدرته الشرائية ومن خلال فقدان ثرواته الحالية والمستقبلية. وتنصّ النظرية الإقتصادية على أن وجود موارد غير مُستخدمة في الإقتصاد يجعل من هذا الأخير إقتصادًا مُتخلّفًا! كما أن وجود فقر في المجتمع يجعل البلد مُتخلّفا إجتماعيًا.

 

أزمة الدولار وطبع العملة

 

عند بدء الإحتجاجات الشعبية في 17 تشرين الأول من العام الماضي، كان الدولار قد أصبح «عملة صعبة» بكل ما للكلمة من معنى. وبعد عقود من الترف بإمتلاك هذه العملة الصعبة، أصبح الحصول عليها أزمة وطنية تهدد المصير.

 

النظرية المالية تنصّ على أن آلية إضعاف الليرة تمرّ من باب بيع العملة المحلّية لصالح إمتلاك عملة صعبة، وهذا ما حصل منذ تقارير وكالات التصنيف الإئتماني في آب من العام 2019؛ فقد قام المصرف المركزي آنذاك بتحديد كمية الليرة المُتداول بها، لكن الضغط الشعبي والسياسي على المركزي جعله يُعدّل من سياسته مع رفع سقف السحوبات بالليرة اللبنانية إلى مستويات أخذ معها المركزي بطبع العملة للردّ على الطلب المُتزايد من قبل المودعين الذي تهافتوا لشراء العمّلة الصعبة. وبالنظر إلى أرقام مصرف لبنان، نرى أن الوادئع لأجل بالليرة اللبنانية تقلّ لصالح الودائع تحت الطلب وبالتالي سحب هذه الودائع لشراء العملة الصعبة.

 

ولم تقف الأمور عند هذا الحدّ، إذ إن الحكومة المُستقيلة والتي كان يُنظر لها على أنها حكومة الإنقاذ، لم تقم بأي خطوة للجم العجز لا بل على العكس فقد ساهمت بإرتفاع العجز إلى 4 تريليون ليرة لبنانية في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2020 ليزداد معها طبع العملة لتغطية هذا العجز وذلك على الرغم من توقّف دفع مستحقات الدين العام!

 

هذا الواقع رفع الكتلة النقدية من 11.7 تريليون ليرة لبنانية في أيلول 2019 إلى 27 تريليون ليرة لبنانية في أواخر حزيران 2020. ومعها إرتفع التضخّم  (CPI) من 109 نقاط في أيلول 2019 إلى 207 في حزيران 2020.

 

وإضافة إلى هذا الواقع المرير لعب التجّار أيضاً دورًا سلبيًا جدا يُمكن تصنيفه بالدور السلبي الأوّل في هذا الواقع من خلال رفع الأسعار بشكل جنوني مُطالبين في معظم الأحيان بالدفع نقدًا وذلك لتفادي القطاع المصرفي الذي حجز الأموال…هذه المساهمة السلبية هي أيضًا غير قانونية من ناحية مخالفتها للمرسوم الإشتراعي 73/83 وذلك بتطبيق مبدأ «replacement cost» والذي يُعاقب عليه القانون.

 

لا بل أبعد من ذلك، ذهب بعض التجّار إلى فرض ما يُسمّى بالـ «expected cost» وهو وضع سعر لما يتوقّعه التاجر لسعر صرف الدولار! والمهزلة الحقيقية في الأسواق أنه ومع تراجع سعر صرف الدولار في السوق السوداء، لم تنخفض الأسعار عند التجّار بحجة كلفة وهمية لا وجود لها إلا في طمعهم وأذهانهم فما زالوا يسرحون ويمرحون من دون حسيب أو رقيب مُتسلّحين بجائحة كورونا والأحداث التي تعصف بلبنان. «المسؤولون في سبات وكل يغني على ليلاه».

 

وبحسب تقديراتنا الاقتصادية، حقّق التجار أرباحا خيالية فاقت الـ 200% في بعض الحالات دون أن تستفيد منها الدولة أو الاقتصاد في نظامه المعروف إذ معُظم هذه العمليات كانت تتمّ نقدًا دون قيد أو تسجيل وبالتالي لا إمكانية لوزارة المال من التحقق من صحة الأرباح المصرح عنها لا سيما مع إستمرار وضع التجار سعر الصرف الرسمي في أنظمتهم المحاسبية. كل هذا جعل الثروات التي كان يمتلكها اللبنانيون تنتقل من الشعب إلى فئة من التجّار النافذين ومُموّلة من طبع العملة التي يقوم بها مصرف لبنان لتغطية الطلب.

 

طبع العملة بوتيرة 1.5 تريليون ليرة لبنانية شهريًا، سيؤدّي إلى كوارث على الصعيد الإجتماعي. وإذا كنّا من الذين يعتقدون أن وجود السوق السوداء في الفترة المُمتدّة ما بين أيلول 2019 وأذار 2020 هو نتاج الصراع السياسي والمضاربة، إلا أن وتيرة الطبع الحالية تجعلنا ندق ناقوس الخطر من ناحية فقدان الليرة اللبنانية قيمتها الإقتصادية ودخول لبنان في آتون التضخّم المُفرط خصوصًا إذا ما صحّت المعلومات عن تثبيت سعر الصرف في أيلول المُقبل على أسعار السوق السوداء.

 

كلفة كتب طالب واحد 3 مليون ليرة

 

لم نجد قطاعًا واحدًا إلا وقام التجّار بعمليات مخالفة للقانون (بحجّة الدولار المُرتفع) لإرغام المواطنين على دفع فاتورة أعلى بالليرة اللبنانية. وآخر فصول هذه القطاعات هو قطاع الكتب المدرسية الذي بدأ الفلتان فيه من دون حسيب أو رقيب. فقد بلغت كلفة كتب طالب البكالوريا القسم الثاني في المكتبات ثلاثة ملايين ليرة لبنانية! هذا الأمر الجنوني الذي يتمّ تبريره من قبل المُستفيدين بسعر الدولار واليورو في السوق السوداء هو فصل من فصول السرقة من المواطن اللبناني! وكان الأجدر بالمدارس شراء نسخات إلكترونية من الكتب وتوزيعها على الطلاب من خلال خفض السعر عليهم، لكن المصالح المُشتركة بين المدارس والمكتبات تجعل من المواطن مرة أخرى ضحية بشهادة الدولة التي تتفرّج على عملية السلبّ والتفقيرهذه!

 

كذلك الأمر بالنسبة لتجّار الزجاج الذي أصبحوا يُطالبون بسعر الزجاج بالدولار ونقدًا على أن تتمّ مُضاعفة المبلغ  إذا ما كان الدفع من خلال شيك مصرفي! وهنا أيضًا نرى عملية الجشع التي يقوم بها التجّار الذين لا يتوارون عن الإستفادة من مصائب المتضرّرين من تفجير مرفأ بيروت لتحقيق أرباح طائلة!

 

* *** الحلول موجودة وتتطلّب قرارا سياسيا ****

 

الضغوطات الخارجية على لبنان في إزديادٍ مُستمرّ. وأصبح من الواضح أن الحكومة اللبنانية لن تحصل على قرشٍ واحدٍ من دون القيام بالإصلاحات التي يُطالبها بها المُجتمع الدولي. وإذا كان تشكيل الحكومة خاضعا لعدد من الحسابات السياسية (توازن القوى دخليًا والمصالح الخارجية)، إلا أننا نُشدّد على أهمّية أخذ القرار من قبل فخامة الرئيس والتسريع في عملية تشكيل حكومة نظرًا للأضرار المالية والنقدية التي تتراكم يوميًا.

 

إن إنتظار تشكيل حكومة جديدة للقيام ببعض الإصلاحات هو أمر غير مقبول اقتصاديا ولا أخلاقياً وهناك العديد من الخطوات التي يتوجب القيام بها على أسرع وجه. وإذا تعذّر تشكيل حكومة جديدة للقيام بالإصلاحات الضرورية، فنرى أنه من الممكن لخبراء الدستور إيجاد مخرج للسماح للحكومة المُستقيلة للقيام بهذه الإصلاحات إذ من المعروف أن صلاحيات الحكومة المُستقيلة محدودة جدًا وهي تتلخصّ بتسيير الأعمال بمعناها الضيق.

 

عمليًا المطلوب معلوم من خبراء الاقتصاد في هذه الأوضاع، وأهمه:

 

أوّلا ـ خفض الإنفاق الجاري في كل مؤسسات الدوّلة بنسب تصل إلى حدود الـ 90% في بعض الحالات.

 

ثانيًا ـ وضع سقف للعمليات التجارية بالنقد والتشجّيع على إستخدام الشيكات والبطاقات المصرفية نظرًا إلى أن الكاش يُستخدمّ بالدرجة الأولى في عمليات مضاربة على الليرة اللبنانية.

 

ثالثًا ـ خفض وتيرة طبع العملة بالليرة اللبنانية إلى ما دون الـ 500 مليار ليرة شهريًا في المدى القصير.

 

رابعًا ـ وقف نزف مؤسسة كهرباء لبنان من خلال تلزيمها إلى القطاع الخاص وتعيين الهيئات الناظمة في قطاع الكهرباء والإتصالات.

 

خامسًا ـ تفعيل قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص وذلك بهدف إعطاء القطاع الخاص إمكانية وضع أمواله وخبراته على المنصّة العامة وهو ما سيقود إلى إستثمارات خاصة ستدفع بالنمو الإقتصادي.

 

سادسًا ـ إعادة فتح العلاقات مع دول الخليج وذلك بهدف جذب الإستثمارات الخليجية مع ما يُرافقها من أثمان.

 

سابعًا ـ بدء عملية إعادة بناء المرفأ من خلال الشراكة مع القطاع الخاص أو من خلال تحويل قسم من أموال سدّ بسري إلى هذا المشروع.

 

ثامنًا ـ إعطاء الضوء الأخضر للقضاء لملاحقة الفساد في كل مؤسسات الدولة وفي القطاع الخاص مع إسقاط الحصانات عن كل فاسد.

 

تاسعًا ـ إستئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي من خلال رئاسة الجمهورية حيث إن الدستور ينصّ على أن رئيس الجمهورية هو المُمثّل الأول للدولة اللبنانية.

 

عاشرًا ـ إعادة بثّ جوّ من الأمان بهدف عودة السياحة إلى طبيعتها كما كانت عليها قبل الأزمة إضافة إلى دعم قطاعي الزراعة والصناعة.

 

هذه الإجراءات هي على سبيل الذكر لا الحصر لكنها نواة الحل وتُشكّل بداية صائبة لمواجهة الأزمة الحالية.