IMLebanon

إحذروا من كوهين! إحذروا المتسلقين على الجراح!

 

 

“وصاعدًا نحو التئام الحلمِ تنكمش المقاعدُ تحت أشجاري وظلّكِ … يختفي المتسلّقون على جراحك كالذباب الموسميّ ويختفي المتفرجون على جراحك فاذكريني قبل أن أنسى يديّ! وللفراشات اجتهادي والصخورُ رسائلي في الأرض لا طروادة بيتي ولا مسّادةٌ وقتي وأصعد من جفاف الخبز والماء المصادَرِ من حصان ضاع في درب المطارِ ومن هواء البحر أصعدُ من شظايا أدْمَنَتْ جسدي وأصعدُ من عيون القادمين إلى غروب السهلِ أصعدُ من صناديق الخضارِ وقوّة الأشياء أصعدُ” محمود درويش

«وصاعدًا نحو التئام الحلمِ تنكمش المقاعدُ تحت أشجاري وظلّكِ …
يختفي المتسلّقون على جراحك كالذباب الموسميّ ويختفي المتفرجون على جراحك
فاذكريني قبل أن أنسى يديّ! وللفراشات اجتهادي والصخورُ رسائلي في الأرض
لا طروادة بيتي ولا مسّادةٌ وقتي وأصعد من جفاف الخبز والماء المصادَرِ
من حصان ضاع في درب المطارِ ومن هواء البحر أصعدُ من شظايا أدْمَنَتْ جسدي
وأصعدُ من عيون القادمين إلى غروب السهلِ أصعدُ من صناديق الخضارِ وقوّة الأشياء أصعدُ» محمود درويش

فقرة من كتاب «عواصف في ذاكرة» غير المنشور: «كان إيلي كوهين صهيونيًا متفانيًا من مواليد الإسكندرية في مصر، قُبض عليه بتهمة المشاركة في أعمال إرهابية في عام ١٩٥٤ فيما عُرف بقضية «بنحاس لافون» وهي التي تحولت إلى فضيحة لاحقًا. لم يتمكن التحقيق في مصر من إثبات التهم عليه، فأُفرج عنه. إنضمّ إلى المخابرات الإسرائيلية سنة ١٩٥٧، أصبح بعدها اسمه «كامل أمين ثابت»، سوري مسلم هاجَر إلى الأرجنتين، يعمل في تجارة الأقمشة.

كان كوهين قد درس الوضع في سوريا وحفظ أسماء رجالها السياسيين والاقتصاديين، فأرسلته المخابرات الإسرائيلية إلى الأرجنتين حيث تغلغل بين أفراد الجالية السورية الكبيرة هناك، وبنى علاقات اجتماعية واسعة مع أفرادها، معلناً حنينه للعودة إلى أرض الوطن، بعد أن وصلت أخباره الطيبة إلى دمشق.

وصل كامل أمين إلى سوريا سنة ١٩٦٢، حاملًا توصيات واسعة من وجهاء الجالية في الأرجنتين، كما من البعثة الدبلوماسية السورية في «بوينس أيرس». بعد وصوله، أسّس شبكة علاقات مع الضباط والمسؤولين الكبار في سوريا، فتحوّل معظمهم إلى أصدقاء مقربين له، مما شجع بعضهم للحديث أمامه بشكل مُسهب عن كل ما يمكن أن يكون أسرار دولة. نظّم له بعض الضباط زيارات خاصة للمواقع الدفاعية في الجولان، كما أنه كان يعرف بصفقات الأسلحة قبل إتمامها. كان يرسل كل هذه المعلومات إلى القيادة الإسرائيلية التي كانت تتأكد من تَطابقها مع معلومات من مصادر مختلفة منها المسح الجوي.

الصدفة وحدها كشفت كوهين، عندما مرّت سيارة رصد للاتصالات، تابعة للأمن السوري قرب منزله، أثناء بثّه إحدى رسائل «المورس». يُقال أيضًا انّ مَن كشف كوهين هو العميل المصري المعروف برأفت الهجّان (رفعت الجمّال)، الذي كان قد التقى به بالصدفة في سهرة عائلية في إسرائيل. من بعدها تمّت المقارنة بين صوَر له أثناء اعتقاله في مصر في قضية لافون، وبين صوَر كامل أمين ثابت «العضو القيادي في حزب البعث»، وكانت الصور الحديثة قد التقطت له أثناء زيارة للفريق أول عبد الحكيم عامر إلى سوريا بصحبة كبار القادة العسكريين هناك.

أُعدم «إيلي بن شاوول كوهين»، وأثارت قضيته فضيحة كبرى في عالم العرب، فقد كان الرجل في طريقه إلى مواقع قيادية متقدمة في سوريا وكان مرشحًا لوزارات أساسية. أصبح اسم كوهين، بعد اكتشافه، رديفًا للغباء العربي وعنوانًا للمكر الصهيوني».

فيما انتهى الاقتباس لا يجب أن تنتهي العِبر، فإن كان التاريخ لا يكرر ذاته، لكن بعض الأمور قابلة للتكرار بما يشابهها لِمن لا يقرأ التاريخ بتمعّن وفطنة. في خضم الحملات الانتخابية الحالية هناك متسللون معروفون وهم يفخرون بأنهم يخدمون قضية معادية لمجتمعاتهم، لمجرد أن التبعية تخدم تسلّقهم إلى السلطة ولو على حساب مصلحة وأمان الناس. وقد تجدونهم يزورون قتلة وفاسدين لِتلمّس رضاهم غير آبهين بمَن ظلم أو نكل به أو اختطف فلذة كبده وغاب في غياهب السجون ولم يتمكن حتى من دفنه. هؤلاء يعرفهم الناس ومن السهل إفرادهم واجتنابهم. لكن الحيرة تحلّ حتمًا عندما يأتي أحدهم من المجهول حاملا تحت إبطه مشاريع جمهورية جديدة ومعها ملايين الدولارات يرشّها فتسحر مُتلقّفيها ليبدأوا بنسج الأشعار والأهازيج وأبيات القصيد عن صفات المحسن الكريم الحامل تحت إبطه التغيير مع ملايين الدولارات. ذوو الألباب قادرون على كشف كوهين بسهولة، فبعض الخبرة في التاريخ، وبعض السقطات في تصاريح وصور في مشاوير باريسية أو افطارات رمضانية، أو بمجرد أن نقول من أين أتى هذا وكيف ظهرَ من عالم الغيب وما هي مصادر أمواله؟ وهل يكفي أن يكون المرء آتيًا من الأرجنتين مثل كوهين أو من أي بلد آخر ليصبح فجأة زعيمًا يمنحه الناس أصواتهم ليمثّلهم في غفلة من الزمن وفي لحظات تَخل؟

إن الفراغ الرهيب وصفعات اليأس ولسعات خيبات الأمل قد تضع غشاوة على البصيرة ليدخل الناس في المجهول، لكن الخيارات تبقى موجودة بالرغم من خيبات الأمل بالتبصّر واختيار من نعرفهم ونعرف من هم ومن أين يأتي رزقهم حتى لا يأخذنا أمثال كوهين على غفلة لنراهم عشيّة الانتخابات في حضن القتلة والفاسدين لمجرد السعي لِفُتات السلطة.