IMLebanon

“الطاقة” تزرع فشل الخطط والمواطنون يحصدون العتمة الكالحة

 

بعد سنوات طوال من “زراعة” فوضى الخطط في مجال الطاقة، و”ريّها” بالحلول الموقتة والسمسرات والعمولات، إنطلق مطلع حزيران 2021 موسم “حصاد” الكهرباء. جرارات الإهمال والإفلاس وتعمد الفشل، العملاقة، “قشّت” آخر “عرق أصفر” على طول الأراضي اللبنانية، ناشرة العتمة على مساحة الوطن الصغير.

 

لم يعد هناك من تقنين في التيار الكهربائي، بل انقطاع تام، وصل في الكثير من المناطق إلى 22 ساعة يومياً. الساعتان التي تأتي فيهما الكهرباء مقسّمتان واحدة في الصباح وأخرى في المساء. الإنتاج تدنى نهاية الأسبوع الماضي إلى أقل من 700 ميغاواط من أصل حاجة تتجاوز 3200 ميغاواط في فصل الصيف. وهو يتركز حالياً على معملي الجية والذوق القديمين، اللذين نالا “جرعة” فيول مؤخراً، وينتجان نحو 300 ميغاواط. فيما معملا دير عمار والزهراني الأساسيان (ينتجان نحو 900 ميغاواط) خرجا من الخدمة الفعلية. كذلك الأمر بالنسبة لمعملي الجية والذوق الجديدين. الباخرتان المنتجتان لنحو 370 ميغاواط توقفتا عن العمل نهائياً. معملا بعلبك وصور ينتجان أقل من 120 ميغاواط. والمعامل الكهرومائية نحو 270 ميغاواط. ومع التدني الهائل في الإنتاج من المتوقع أن تُفصل المعامل عن الشبكة، ويتوقف توزيع الكهرباء مطلع الأسبوع الحالي، ويغرق البلد في العتمة الكالحة.

 

الوقوع في المحظور

 

“جميع المعطيات تشير إلى الوقوع في المحظور. والإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول ترقيعية أصبحت اليوم أكثر جدية”، يقول مدير عام الإستثمار والصيانة السابق في وزارة الطاقة غسان بيضون، فـ”لم يسبق أن وصل البلد إلى هذه المرحلة من انسداد الأفق، والعجز التام عن إيجاد المخارج الموقتة لاستمرار التغذية الكهربائية بالحد الأدنى”. الرهان الوحيد هو على فتح مصرف لبنان اعتماداً محدوداً وسريعاً لاستيراد القليل من الفيول حاجة المعامل. بيد أن هذا الأمل ما زال محكوماً برفض المركزي لسببين رئيسيين:

 

الأول، أن المبلغ الذي سيحول إلى الدولار سيكفي لأسابيع قليلة فقط، وستعود الأزمة بعد فترة قصيرة أقسى مما كانت.

 

الثاني، رفض المجلس المركزي الإستمرار في تمويل فشل الكهرباء على حساب ما تبقى من أموال المودعين.

 

هذا الرفض الظاهر تقابله، برأي بيضون، أسئلة جوهرية: هل سيستطيع مصرف لبنان الإستمرار في رفض التمويل؟ وأي مسؤولية أخف عليه، الدفع أم إيصال البلد إلى شفير الشلل والموت؟ ليخلص أن الموضوع دقيق جداً ولكن لم تعد تنفع معه الحلول المجتزأة والموقتة.

 

لا إنترنت ولا مولدات

 

أمام هذا الواقع الأسود، برز موقفان مفصليان: الأول لمدير عام هيئة “أوجيرو” عماد كريدية الذي غرد قائلاً: إن الإرتفاع المستمر بساعات التقنين الكهربائي يتسبب بضغط كبير على مجموعات توليد الطاقة التابعة ‎ للمؤسسة، وزيادة الطلب على المحروقات التي باتت نادرة هي أيضاً. وإن استمرار الوضع بهذا الشكل يهدد جدياً امكانية “أوجيرو” بتقديم الخدمات. مستشهداً أنه بلّغ.

 

والموقف الثاني صدر عن تجمع أصحاب المولدات، الذي أعلن عدم قدرته على تعويض ساعات الإنقطاع الطويلة لكهرباء الدولة. وأن أصحاب المولدات سيعمدون إلى تقنين ما لا يقل عن 5 ساعات يومياً. وبحسب رئيس تجمع أصحاب المولدات الخاصة في لبنان عبدو سعادة فإن “وصول ساعات الإنقطاع إلى 22 و23 ساعة، وعدم القدرة على توفير المازوت، وإن توفر فبأسعار السوق السوداء، يجبراننا على إطفاء المولدات 5 ساعات في الأربع والعشرين ساعة. وسيصدر مطلع هذا الأسبوع برنامج يحدد ساعات التغذية في أغلبية المناطق”.

 

إن توفر المازوت فبأي سعر؟

 

الإعتماد على المولدات الخاصة لتأمين الكهرباء ليس مضموناً، وهو يبقى رهن أمرين: القدرة على توفير المحروقات، والسعر. فـ”المازوت غير متوفر في الأسواق ونضطر في أغلب الأحيان إلى شرائه بسعر أعلى من ذلك المحدد من قبل وزارة الطاقة والبالغ 28 ألف ليرة”، يقول صاحب أحد المولدات. وذلك على الرغم من مطالعة منشآت النفط واتحافنا ببيان إشباع السوق بالمازوت، بما يتناقض مع تصريح وزير الطاقة قبل مدة بأن عدم توفر مادة الفيول للمعامل والمازوت فان شركة الكهرباء والمولدات معاً لن يستطيعا تأمين الكهرباء”. والسؤال هنا من هو الصادق وزير الطاقة ام مديرية النفط؟.

 

أما بالنسبة إلى السعر فقد حدد رسمياً من قبل وزارة الطاقة بـ 1097 ليرة للكيلواط/ ساعة عن شهر أيار. ويتقاضى معظم أصحاب المولدات 1200 ليرة للكيلواط ساعة. ما يعني أن متوسط استهلاك 80 كيلواط لعداد 5 امبير في الشهر ارتفعت تكلفته إلى أكثر من 100 ألف ليرة. وهذا الرقم مرشح للوصول إلى 500 ألف في حال رفع الدعم عن المازوت.

 

السوق مشبعة… لكن أين المازوت؟

 

إعلان منشآت النفط في طرابس والزهراني قبل يومين تسليم 200 شركة موزعة 20 مليون ليتر من مادة المازوت بالسعر الرسمي، يقابله، بحسب بيضون، فقدان الثقة بأي مرجع نتيجة اختلاف الواقع على الأرض، فـ”من غير المعروف كيف تتوزع هذه الكميات وما مقدار ما يذهب منها للتخزين والإحتكار والتهريب. وهذا ما يدل عليه التناقض بين الحديث عن توزيع مازوت واكتشاف كميات في السوق السوداء. وبجميع الأحوال فان قدرة المولدات على إيجاد المازوت لن تصبح أصعب فحسب بل أغلى”. إلا أن هذا يجب ألا يعني، من وجهة نظر بيضون، “انعدام الرقابة والسكوت، خصوصاً على المبالغ المقطوعة الكبيرة جداً التي يتقاضاها بعض أصحاب المولدات في العاصمة بيروت، والتي تتطلب تدخلاً جدياً من قبل الجهات الرقابية المعنية، رأفة بالمواطنين.

 

حصاد الفشل

 

صفقة البواخر، الفيول المغشوش، عدم تطبيق قوانين الشراكة مع القطاع الخاص، الفشل في بناء معمل دير عمار رغم كل التسهيلات، عدم رفع القدرة على التخزين، المراوحة مكاننا في إنتاج الطاقة من الرياح منذ العام 2017، عدم معالجة الهدرين التقني وغير التقني اللذين يستنزفان 50 في المئة من كلفة الكهرباء، بقاء التعرفة نفسها من دون تغيير، الفشل في زيادة الإنتاج، القرارات الظنية والتحقيقات التي لم تصل إلى أي مكان… عوامل كثيرة زادت فاتورة الكهرباء من دون أن تؤمن أي كيلواط إضافي. و”ما وصولنا إلى الحائط المسدود إلا النتيجة الحتمية للعبث لفترات طويلة، بالخطط والمشاريع المبنية على أشخاص ينقصهم النضج والمعرفة والجدية والمسؤولية”، يقول بيضون، و”اليوم يدفع البلد ثمناً غالياً لذلك النهج الرهيب. ونتأكد أكثر من أي وقت مضى من خطورة الجريمة التي ارتكبت بحق البلد والمواطن. والأنكى من هذا كله تلك “الجرأة” التي يتحلى بها المسؤولون عن الكهرباء لنكران مسؤوليتهم، ووضع الحق على غيرهم في موضوع الفشل والتعطيل. هذه الخطيئة ترقى، من وجهة نظر بيضون، إلى مستوى “الجريمة الوطنية التي تستأهل محاسبة فورية لكل من ساهم بها”.

 

في ظل التخبط والعشوائية في الأرقام والمعطيات وأمام غياب الإتفاق السياسي على الإصلاح وفقدان الامل بأي مساعدة خارجية، فإن البلد سقط أخيراً بالعتمة.