IMLebanon

الكهرباء “ثقب” الدين “الأسود”… والسياسة “تبتلع” الإصلاحات

 

تخطّى عجزها في العام 2008 المليار دولار ووصل في نهاية العام 2020 إلى 44.3 ملياراً

 

 

بعيداً من “فضيلة” الإعتراف بالخطأ، فان استمرار المسؤولين عن قطاع الكهرباء بنكران الفشل “القاتل” طيلة السنوات الماضية، هو أول ما يحتاج إلى الإصلاح. من بعدها تأخذ الحلول التقنية مكانها، في حال توفّرت الإرادة السياسية.

 

بالنسبة إلى وزير الطاقة الحالي في حكومة تصريف الأعمال ريمون غجر، فان أرقام خسائر “الكهرباء” الفعلية منذ التسعينات ولغاية اليوم هي بحدود 19 مليار دولار. وهي لا تتجاوز برأيه 24 ملياراً، إذا أضيفت الفوائد على المبالغ المقترضة. في المقابل، تُظهر جداول وزارة المالية أن التحويلات المتراكمة لشركة الكهرباء منذ العام 1993 ولغاية العام 2020 بلغت 23 مليار دولار. وبالنظر إلى العجز المستمر في الموازنة، فقد تمّ تمويل التحويلات من الدين العام بتكلفة متوسطها 6.5 في المئة. الأمر الذي يرفع مجمل العجز في الكهرباء إلى 43 مليار دولار. أو ما يعني باختصار نصف حجم الدين العام.

 

تفاقم العجز بعد 2008

 

يُبين جدول توزيع التكاليف المالية لمؤسسة كهرباء لبنان المُعد من قبل وزارة المالية والمنشور على موقعها، أن عجز الكهرباء تجاوز المليار دولار للمرة الأولى عندما استلم “التيار الوطني الحر” حقيبة الطاقة في العام 2008. فارتفع العجز التراكمي من 985 مليون دولار في العام 2007 إلى 1.6 مليار دولار بعد عام. والسبب هو ارتفاع كلفة المحروقات على المؤسسة من 743 مليون دولار في العام 2007 إلى 1.5 مليار دولار في العام 2008. لكن ما يثير الدهشة هو أن سعر برميل النفط تراجع في العام 2008 إلى حدود 92 دولاراً بعدما كان قد بلغ 95 دولاراً في العام 2007. وهذا ما يدل بشكل صريح على أن ارتفاع كلفة المحروقات يعود إلى زيادة الكميات المستوردة وليس إلى ارتفاع الأسعار. وفي جميع الحالات فان العجز في الكهرباء أخذ منحى مختلفاً تماماً بعد تولي وزراء “التيار” حقيبة الطاقة وأولهم كان الوزير آلان طابوريان. فلم يعد العجز بملايين الدولارات، بل أصبح بالمليارات. وقد تخطى العجز لأول مرة عتبة 2 مليار دولار في العام 2011 في عهد الوزير جبران باسيل، محققاً 2 مليار و125 مليون دولار، واستمر فوق 2 مليار دولار طوال فترة توليه الطاقة ولغاية العام 2014. ولم ينخفض العجز تحت المليار دولار إلا في العامين 2016 و2020 وذلك بسبب تراجع تكاليف المحروقات إلى 918 و741 مليون دولار على التوالي.

 

“قلب الطاولة”

 

مع الوصول في نهاية العام 2020 إلى عجز في “الكهرباء” يبلغ 44 ملياراً و280 مليون دولار ولا كهرباء، فإن المنطق يفترض تغيير كامل النهج وقلب الطاولة على طريقة العمل المعتمدة التي أثبتت فشلها. وبحسب عضو مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان المستقيل مؤخراً من مجلس إدارة كهرباء لبنان الشمالي – قاديشا، إعتراضاً منه على الإداء وطريقة إدارة الشركة المبهمة قانونيتها، والمهندس في مجال الطاقة سامر سليم هناك مجموعة من الحلول يجب تطبيقها بالتوازي للتخفيف من حدة المشكلة، ووضع المؤسسة على سكة الإصلاحات: ومنها:

 

– رفع التعرفة المعتمدة. فالمؤسسة تتقاضى حوالى 1 سنت للكيلواط، في حين أن كلفة إنتاجه تبلغ أكثر من 15 سنتاً.

 

– تفعيل الجباية. وهذا لن يتم إلا بتغيير العلاقة التعاقدية مع مقدمي الخدمات. فالكثير من الفواتير غير المجباة تعاد إلى دائرة التحصيل. ولا يظهر أن مقدمي الخدمات يبذلون جهداً لتحصيل الفواتير.

 

– إلتزام أكبر من جهة مقدمي الخدمات في عملية التوزيع والجباية ووقف الهدر والتعديات على الشبكة.

 

– البت سريعاً في مؤسسة الكهرباء بالمراجعات والشكاوى المقدمة من مقدمي الخدمات في ما خص التعديات والسرقة على الشبكة بعيداً من التدخلات السياسية والمناطقية.

 

مختلف الحلول السريعة تظهر أن تجربة الإستعانة بمقدمي الخدمات لم تصب في مصلحة الدولة. وعليه فان المطلوب تغيير العلاقة التعاقدية معهم، أو الإستغناء عن خدماتهم. وهذا قد يكون أوفر بأشواط على المؤسسة في حال تفعيل الإدارة والمراقبة.

 

من جهة الإنتاج، وللوصول إلى كهرباء 24/24 بفترة قصيرة هناك بحسب سليم مجموعة من الحلول السريعة ومنها:

 

– الإستفادة من نموذج كهرباء زحلة في المناطق. فالشركة التي تعتمد على مولدات ضخمة لانتاج الطاقة في فترات إنقطاع كهرباء الدولة تجبي بنسبة 99 في المئة وتؤمن الكهرباء 24/24. وإن كان هناك من مشاكل مالية عالقة مع شركة كهرباء زحلة فيجب حلها وليس منع التجربة من التعميم على المناطق.

 

– إشراك القطاع الخاص بانتاج الطاقة. وخصوصاً في ما يتعلق بالطاقة النظيفة المعتمدة على الرياح والشمس.

 

– تسريع البت بطلبات إنتاج الطاقة لغاية 1.5 ميغاواط المعتمدة على القانون 129 الصادر عن مجلس الوزراء في العام 2019.

 

– تفعيل المعامل الكهرمائية المنتشرة في كل لبنان (16 معملاً بقدرة إنتاج تفوق 250 ميغاواط) وإعادة تشغيل المتوقف منها. ومن المعامل المتوقفة على سبيل المثال “بلوزا” في الشمال. معمل “رشميا” قضاء عاليه. والأخير كانت قد رست المناقصة لتأهيله وإنتاج 13.5 ميغاواط على شركة من أصل 12 شركة تقدمت بناء على استدراج عروض في مؤسسة كهرباء لبنان، وبكلفة 4 ملايين دولار. والجدير بالذكر أن المعمل المذكور متوقّف عن العمل منذ أكثر من سنتين. معمل “مطمر الناعمة” ويعطي 7 مجموعات بقدرة 1 ميغاواط لكل مجموعة. وهذا المعمل متوقف منذ أيلول 2020 بسبب التباطؤ في البت في المناقصة لتشغيله من قبل وزارتي المالية والطاقة. الأمر الذي دفع بمجلس إدارة شركة الكهرباء طرح إعادة تفويض الشركة السابقة بادارته لمدة عام إضافي، مقابل تعليم وتدريب مجموعة من المهندسين والعمال التابعين لمؤسسة كهرباء لبنان لاستلامه بعد انتهاء العقد، ما سيوفر ملايين الدولارات على المؤسسة في المستقبل. وإذا أضفنا على مطمر الناعمة حقل ألواح شمسية بقدرة إنتاج 15 ميغاواط، فان مجموع الطاقة من “رشميا” و”الناعمة” وحدهما يصل إلى 35 ميغاواط. وهو رقم يعادل إنتاج وحدة حرارية في معمل صور على سبيل المثال، ولكن بشكل مجاني ومن دون كلفة الفيول. العودة إلى الإنتاج على الغاز في معملي دير عمار والجية بقدرة 900 ميغاواط وبوفر يصل إلى 400 مليون دولار سنوياً. وقد جرى تشغيل معمل دير عمار على الغاز لمدة 6 أشهر فقط ومن ثم جرى تحويله إلى الفيول المكلف. وحسبما يظهر هناك إصرار على هدر الأموال واستعمال الفيول الذي يصب في مصلحة مافيات الإستيراد. كان من الأجدى أيضاً الشروع في بناء معمل دير عمار 2، بقدرة 550 ميغاواط عوضاً عن استقطاب البواخر بعنوان وضع موقت وبقائها لسنوات رغم كلفتها العالية.

 

يقول سليم إن “القرارات التي اتخذناها في مجلس الإدارة مؤخراً تصطدم ببطء التنفيذ والحسابات السياسية والمماطلة الممنهجة، فتتعطل، وتتوقف معها كل الخطوات الإصلاحية”. كلام سليم يؤكد المؤكد عن ألا تغيير في واقع الكهرباء إلا بتغيير العقلية التي تحكمت واستحكمت بالقطاع منذ العام 2008 وصولاً ليومنا الحاضر. وهذا لن يحصل إلا بتطبيق قانون الهيئة الناظمة للقطاع رقم 462 والبدء بالإصلاحات من ضمن خطة شاملة برقابة وتمويل من صندوق النقد الدولي.