IMLebanon

أنا وجورج حاوي وغازي كنعان ووقائع جلسة التهديد

 

الياس عطالله يروي محطات من تاريخ الحرب والحزب الشيوعي (4 من 8)

 

 

بعد انسحاب إسرائيل من صيدا في شباط 1985، وسقوط إقليم الخروب في نيسان، إستحدث السوريون مركزاً للمخابرات في الرميلة حيث كان الياس عطالله انتقل للسكن. وكان عمل مع وليد جنبلاط على عودة المهجرين إليها قبل غيرهم، على رغم معارضة السوريين الذين اعتبروا أنّ هذه العودة سابقة لأوانها. هذا الإنسحاب الإسرائيلي كان بداية لسلسلة تحوّلات. في هذه الحلقة يروي الياس عطالله المسؤول العسكري السابق في الحزب الشيوعي قصة جلسة التهديد مع غازي كنعان مسؤول المخابرات السورية في لبنان وبدء عمليات الإغتيال التي طالت عدداً من قيادات الحزب.

 

* عملتم مقر القيادة العسكرية والسياسية للحزب الشيوعي في الرميلة؟

 

– صحيح. كان هناك مقرّ سياسي وثكنة عسكرية في الدير الذي عاد وقصفه الطيران الإسرائيلي. قبل قصفه بأيام كانت وصلتني معلومات أبلغتها لجورج حاوي أنّهم سيستهدفون المقرّ. كان يريد عقد اجتماع للقيادة. رفضت بشكل مطلق. قلت له: «مستحيل. لا أقبل. حتى الحراسة لا يمكن تأمينها». كنت أهوِّل عليه. نَقَل الإجتماع إلى بيروت ولكنّني لم أحضره. كانت الخلافات بدأت بيننا. في اليوم التالي كنت متوجّهاً من الرميلة إلى بيت الدين. وصلت إلى مفرق الدامور اتّصلوا بي من المركز عبر الجهاز وقالوا لي «قصفوا الثكنة». رجعت. عادة ترى الدير من الطريق العام. ولكنّه لم يعد موجوداً. وصلت إلى المكان كانت طبقات مبنى الدير الأربع قد انهارت فوق بعضها. وسقط في العملية نحو عشرة شهداء. كنت طلبت من الجميع عدم الحضور إلى الدير باستثناء من يعملون فيه وهم ثلاثة أو أربعة. فهمنا الرسالة. لم تعد هناك محرّمات بعدما خسروا في العمليات نحو 1500 قتيل.

 

الرسالة المفخخة

 

* كيف تبلّغت الدعوة للقاء غازي كنعان؟

 

– بعد هذه العملية كان السوريون صاروا بالرميلة. أتوا لعندي على البيت الذي كنت أسكن فيه ومعهم مغلف مقفل. قلت يبدو أنه صار لديهم أسلوب جديد. كان فيه برقية مرسلة إليهم وفيها دعوة لي للذهاب لعند غازي كنعان. لم أكن أعرف غازي كنعان. ربّما كنت التقيت به في مناسبات، ولكن لم يكن هناك علاقة أو اتصالات بيننا حول قضايا مشتركة. لم أكن أرتاح له. كان شكله عدوانياً وقليل الكلام وهذا يجعل منه رجلاً خطراً. بلّغت جورج حاوي. قلت له «وصلتني برقية لأطلع لعند غازي كنعان». قال لي: «بطلع أنا ويّاك».

* لم يتّصلوا به؟

– لا أعتقد. لم يقل لي إنّهم بلّغوه دعوة مماثلة. ولكن طلعنا على الموعد.

 

* كان غازي كنعان يعرف أنّك مسؤول عن العمليات؟

– كيف لكن. كان خارق الكل. على الأقل كان يخترق التشكيلات الخارجية ومن الممكن أنه يعرف أجواء المكتب السياسي. وبرأيي كان بيعرفها منيح.

 

 

 

* كان لديه «ناس» في المكتب السياسي؟

 

– ليس بالضرورة. كانوا يعقدون اجتماعات في الشام. قاعد ببلد مخابرات هل يعقل أنّهم لا يضعون أجهزة تنصّت في غرف الإجتماعات؟ لذلك كنت أرفض حضور هذه الإجتماعات. ممكن أنّني شاركت في اجتماعين أو ثلاثة. المهم وصلنا لفوق وقعدنا.

 

 

* في النهار أم في الليل؟

 

– قبل الظهر.

 

* في مقرّ المخابرات السورية في عنجر؟

– لا في القهوة. أعتقد في أوتيل عقل في شتورة.

 

* كان يوجد ناس غيركم؟

– لا. ما كان في حدا غيرنا. أنا وجورج وغازي كنعان. أكيد يكون طلب ألّا يستقبلوا أحداً.

 

* حدّد لك الساعة واليوم والمكان في الرسالة؟

– صحّ. قلت لجورج على الطريق: «أنا رح إحكي بصفتي مُبلَّغ وصاحب الدعوة. وكلامي ليس ملزِماً ولا نهائياً».

 

 

* كان ينتظركما؟

– نعم كان سبقنا إلى المكان. طلب قهوة وماء.

 

* كان لديكما توقّعات حول سبب دعوته؟

– لم يكن لدينا توقّع محدد. قلنا ربّما بسبب العمليات وربّما لأسباب أخرى.

 

 

 

* ألم يسأل عن سبب حضور جورج حاوي معك؟

– لا. لأنّه الأمين العام وكان يعرفه.

 

حافظ الأسد يريد

 

+ماذا قال لكما؟

 

– بعد السلام بدأ الكلام. قال: «أنا بحبّكن. أنا بريدكم. أنتو حزب عقائدي مناضل شريف مقاتل…». مديح من هذا النوع. ثم تابع: «ولكن عندي قضية بدّي أحكيها أنا ويَّاكن. هاد موضوع المقاومة مثل ما بتعرفوا مسألة كثير حيويّة وهي من المسائل اللي بتتخطّى نتائجها حدود لبنان». على أساس أنّه يحترِم حدود لبنان. وأضاف: «لهاد السبب يتمنّى عليكم سيادة الرئيس» وهذه العبارة تعني أنّني لا أسألكم رأيكم إنّما عم بلّغكم قرار للتنفيذ، «إنو ما بيجوز من اليوم وبالطالع تضلّ علاقتنا هيك بموضوع المقاومة. بدّو يتغيَّر الموضوع. هادا الموضوع بدّو تنسيق أكثر وبدّو خبرات أكثر وبدّو إمكانيات أكبر. وهادي العمليات لها بعد قومي وما بيجوز بقى يصير أيّ عملية من دون علمنا. لازم يصير تنسيق ومنعمل صيغة كيف بيكون عندي إشراف على هاي العمليات».

 

عندما قال لها بعد قومي لعب الفار بعبّي. بعدما أنهى هذه المقدمة قلت له: «نعم؟ كيف يمكن أن أُبلِّغك عن عمليات قيد التنفيذ بينما عندما تعبر المجموعة جسر سينيق بعد صيدا، لا يعود هناك أي اتصال بيننا وبينها؟ ولا أعود أعرف متى ستنفّذ وماذا ستفعل. لا وسلية اتصال لمتابعة العملية على الأرض. من جهتي أنا ما بقدر. أنا المسؤول عن هذه العمليات وأنا لا أقدر أن أعرف». قال: «بيتلاقى لها حلّ». كان يريد أن يعرف بالعملية وبالهدف وكيف ستنفّذ قبل حصولها وقبل انطلاقها وأن يوافق عليها. قلت له: «يا سيادة العقيد كيف يمكن لعمل بهذه الدقّة والحساسية أن يكون مشتركاً بين طرفين؟ الأفضل إنتو تعملوا شي خاص فيكم».

 

قال: «هاد موضوع تاني. موضوع ما ضروري نحكي فيه هلّق». وسأل لماذا لا يكون هناك تنسيق أيضاً بيننا وبين «حزب الله». ما كانوا يريدون أن يشتبكوا مع الإسرائيليين. ويريدون أن يقضوا علينا ويوقفوا عملياتنا. سألته: «على كل الأحوال إذا الواحد بدّو ينسِّق هيك يعني إذا بتقول أيه إيه وإذا لأ لأ؟». قال: «طبعاً». يعني ممكن أن نخطّط لعملية وأن يقول لنا بلاها. كان جورج متسمّعاً أكثر منه متدخّلاً. صفنت قليلاً وقلت لكنعان: «ليك سيادة العقيد لو كنت قادر بلّغك وأعطيك معلومات هنّي ورايحين وهنّي وجايين ما رح أعملها. و»حزب الله» بعدو مش عم يعمل عمليات».

 

قال: «بدّو يعمل». وأضاف: « وفي حركة أمل». كنّا سنة 1985. قلت له: «شو نحنا عم نعمل تحالف سياسي؟ هذا عمل مقاوم يُفتَرض أن يكون سرياً ولا يكون فيه تنسيق مع أحد. حتى داخل الحزب لا يمكن أن يكون هناك تنسيق أو مشاركة». قال: «أعرف». قلت: «لا استطيع أن أنسِّق معك. ما رح أعملها». غضب. إسوَدَّ وجهه وما عاد حكي. خبط يده على الطاولة وطيّر فناجين القهوة الثلاثة على الأرض ووقف قبالتنا أنا وجورج وقال لنا متوعّداً: «رح تكلّفكم غالي». وغادر المكان وبقينا وحدنا أنا وجورج صامتين نتطلّع إلى بعضنا. بعد ثوان قلت لجورج: «مستحيل لا يمكن التنسيق معه».

 

 

غازي كنعان الرجل الخطير

 

وقف العمليات؟

 

* ماذا كنتم تتوقعون كردّة فعل من غازي كنعان بعد هذا اللقاء؟

 

– كان التهديد واضحاً. بقينا صامتين.

 

* ماذا قال لك جورج حاوي؟ هل طلب وقف العمليات؟

 

– لا. لم يقل أي كلمة. كان في حالة ارتباك. ملبّك بسبب العلاقة معهم لضرورات المواجهات العسكرية المحلية أما في موضوع المقاومة فلم نكن بحاجة لهم حتى لو أخذوا القرار بمنعنا. ما كنّا عايزينهم. بالنسبة إليّ كنت قادراً أن أنزل تحت الأرض وما بعود بطلع. هم لا يعرفون أصلاً من هم الذين ينفّذون العمليات. قلت لجورج حاوي: «هذا الأمر مستحيل. إلغاء المقاومة وإيقافها أفضل من التنسيق معهم وأقلّ خطراً». المهم غادرنا المكان ونقلنا الخبر إلى المكتب السياسي. لم يكن هناك تعليق لا سلباً ولا إيجاباً. واستمرّينا. ولكنّهم نفّذوا التهديد.

 

* كيف؟

– بالأسلوب الذي تربّوا عليه. اغتيالات وإلغاء جسدي.

 

* من استهدفوا؟

– أول واحد مسؤول بيروت السياسي أبو ابراهيم، خليل نعّوس (اغتيل في 20 شباط 1986). شخصية سنية وكاتب ولا علاقة له بالعمليات.

 

* من نفّذ؟ «حزب الله» أم المخابرات السورية؟

– ما بتفرق مين نفّذ. المدرسة ذاتها. بعد نعّوس قتلوا حسين مروة، وسهيل طويلة رئيس تحرير جريدة النداء، وحسن حمدان الذي لم يكن يتعاطى إلا الكتابة، وعدداً من المثقفين الشيعة المحازبين. قتلوا 22.

 

 

حررنا مركز المخابرات السورية

 

* اختبأتم أنت وجورج حاوي؟

 

-أنا بقيت في البيت في الرميلة. ولكن زدت الحرس. في المقابل نصبوا حاجزاً على مفرق البيت. حرّضت الأهالي ضدّهم. طلبت منهم ألّا يَدْعوا الضباط السوريين إلى بيوتهم. وصلهم الخبر. أتى مسؤول المخابرات هناك العقيد زياد لعندي وقال لي: «أي متى بدّك تعزمنا على بيتك؟». قلت له: «ما بعزم حدا عالبيت. أعزمك على مطعم». قال: «انت قلت للناس لا تدْعوا الضباط السوريين إلى بيوتكم؟». قلت له: «إفهمها كما تريد». عزمتهم على المطعم، راحوا. بعد فترة هاجمهم مسلحون فلسطينيون وإسلاميون أتوا من صيدا. هربوا من المركز. صاروا بخلدة. كنت عائداً من بيروت إلى الرميلة. كانت الساعة الخامسة فجراً تقريباً. اتّصلوا بي وقالوا إنّ رفيقاً لنا استشهد وإنهم احتلوا مركز المخابرات السورية. التقيت بالعقيد زياد مقابل تعاونية خلدة. كان حفيان وهربان. قلت له: «إطلع معي، رايح على الرميلة». قال إنّهم يجمعون قوات سورية لاسترداد المركز. قلت له إنّنا استرجعناه وطردنا المهاجمين نحن والإشتراكيون.

 

 

* حرّرتم مركز المخابرات؟

 

– نعم واستشهد في العملية أحد مسؤولينا، محمد المعوش من برجا، وكان من أفضل مقاتلينا. ولو لم نفعل ذلك لكانوا اتّهمونا بالتنسيق مع الإسلاميين الفلسطينيين.

 

* العقيد زياد أبلغك رسالة غازي كنعان؟

 

– نعم.

 

* قبل هذه الحادثة أم بعدها؟

 

– بعدها. هل تعتقد أنهم كتبوا في تقريرهم ما حصل فعلاً؟ أعتقد أنّهم أبلغوه أنّهم قضوا وحدهم على المهاجمين مع أن المهاجمين أخذوا معهم كل أرشيف المركز.

 

* أكملتم العمليات؟

 

– كمّلنا. ولكن بدأت حرب تهجيرنا من الجنوب.

 

* من هجّركم؟

– التشكيلات الشيعية. ولكن أكملنا العمليات حتى العام 1988.

 

 

يتبع السبت 6 كانون الثاني:

 

أسرار معركة شباط 1987

وعملية إذاعة لحد