IMLebanon

الياس عطالله يروي محطات من تاريخ الحرب والحزب الشيوعي (5من 8)

 

 

أسرار معركة شباط 1987 وعملية “إذاعة لحد”

 

 

يتجنّب الياس عطالله، المسؤول العسكري السابق في الحزب الشيوعي، الدخول في تفاصيل بعض العمليات العسكرية ويُحاذِر كشف الكثير من أسرارها التي لم يمرّ عليها الزمن. من هذه العمليات عملية اقتحام «إذاعة لحد» التي اختلف حول نتائجها وتوصيفها مع جورج حاوي. وربّما هي المرة الأولى التي يتمّ الحديث فيها عن حرب شباط 1987 في بيروت بين قوات الحزبين «الشيوعي» و»التقدّمي الإشتراكي»، وبين قوات حركة «أمل»، بينما كانت تستمر حرب المخيمات بين «أمل» والفلسطينيين. هذه الحرب التي كادت تخسر فيها «أمل»، يعتبر عطالله أنّها كانت السبب في عودة جيش النظام السوري إلى بيروت.

* العملية ضد إذاعة جيش لبنان الجنوبي لماذا فشلت؟

 

– لم تفشل. حصلت العملية في 17 تشرين الأول 1985. أنا خطّطت لها ولكنّ المنفّذين لم يطبّقوا الخطة كاملة وخالفوا رأيي. وضعنا العبوة في الإذاعة ومددنا شريط تفجير من المبنى إلى الوادي. طلبت تفجير العبوة وإطلاق قذائف ب7 والخروج من العملية. ولكن بدل أن يضربوا ويهربوا اقتحموا الإذاعة.

 

* كانوا من داخل الشريط الحدودي أم من خارجه؟

– أتوا من خارج الشريط.

* كيف وصلوا؟

– في الليل

* + كان هناك متعاونون من الداخل؟

– لا. لم يكن هناك أحد معنا من داخل الإذاعة. كانت خطة مدروسة. نتسلّل. نضع العبوة. نمدّ الشريط. نفجِّر. نقصف. نهرب. لم يكن هناك عناصر بشرية كثيرة في الإذاعة. عدد قليل من العاملين فيها ولكنّها كانت رمزية ومعنوية. اقتحموا الإذاعة ووصل الجيش الإسرائيلي وقتل ثلاثة منهم واعتقل الرابع. وحصل اختلاف في تصنيفها. اعتبر جورج حاوي أنها عملية انتحارية. أرسل إليّ البيان من دمشق. شطبت كلمة انتحارية وكتبت إنّها عملية بطولية. هذه التعابير كانت لها أهميتها. مسؤول المقاومة في البقاع الغربي كان أبلغ جورج حاوي أنّ الأربعة الذين شاركوا في العملية استشهدوا. قلت له إنني لم أشاهد أربعة في الصور التي وُزِّعت على الإعلام.

رأيت ثلاثة فقط على تلفزيون الشرق الأوسط الذي كان تابعاً لجيش لحد. قال لي: «الأربعة قتلوا». قلت له: «ثلاثة». أصرّ. أصدرت البيان من دون استشارته وقلت إنها عملية بطولية. زعل كثيراً. أنا لم أخطِّط لعملية انتحارية. كنّا درسنا معدّل الوقت الذي يحتاجه الجيش الإسرائيلي لكي يقوم بردّة فعل بعد عمليات من هذا النوع. لم يكن يتدخّل مباشرة لأنّهم كانوا يخافون من أن يكون هناك كمين بعد العملية. كانوا يحتاجون إلى ساعة تقريباً. وهذا الوقت كان كافياً لتنفيذ العملية والخروج من المنطقة. كان على المنفّذين أن يعودوا عبر الوادي. ولكنّهم لم يفعلوا. في اليوم التالي ظهر العنصر الرابع، ناصر خرفان، الذي اعتقل في معتقل الخيام وقد أطلق سراحه لاحقاً.

 

عملية سهى بشارة

 

* عملية سهى بشارة (محاولة اغتيال اللواء أنطوان لحد) كنت على علم بها؟

– كنت موافقاً عليها ولكن كنت أستصعب أن تتمكّن سهى من تنفيذها.

 

* كنت تعرفها؟

 

– طبعا. لم تكن العملية الوحيدة التي نفّذتها. كانت استاذة رياضة. ويمكنها أن تدخل إلى الشريط باعتبار أنّها بنت المنطقة، وأن تخرج من دون معرفة طبيعة عملها المقاوم.

 

هناك عمليات أكثر أهمية من تلك التي ذكرتها. أهمية جبهة المقاومة الوطنية أنّها كانت تتمتع بالتنظيم والشجاعة والعقلانية وكانت مستقلّة وتستند إلى مبدأ أساسي وهو تحرير الأرض اللبنانية من دون أي خلفية لمشروع سياسي خاص وإنّما من ضمن مشروع وطني وكنّا قرّرنا أنّ هذه المقاومة حدودها لبنان ولذلك حرّمنا إطلاق النار والصواريخ من لبنان إلى خارجه. هذا الأمر كان سهلاً ولكنّنا لم نقدم عليه طوال سبعة أعوام كما أنّنا رفضنا دخول أعضاء الجبهة في أي مشاريع عسكرية داخلية أو أمنية خاصة وتعهّدنا ألا نجيِّرها لأي مشاريع خارجية سورية أو إيرانية.

 

حاولنا بشكل متواضع أن نقدِّم رافداً جديداً لإعادة تكوين الدولة الوطنية وكنّا مصمّمين على تسليم الأرض المحرّرة من قبلنا والسلاح الذي حرّر إلى الدولة اللبنانية الوطنية رافضين مقولة أنّ الأرض لمن يحرّرها. مرة جاءني المسؤول في البقاع الغربي وقال لي إنّه تعرّف إلى خبير في صناعة الصواريخ يستطيع أن يصنع لنا صواريخ بطول 11 أو 12 متراً ومداها طويل ولديها قدرة تدميرية ولكنّني رفضت الأمر وأبلغته أنّه ممنوع إطلاق الصواريخ. وكان قد أعدّ صاروخاً. وقد بقي هذا الصاروخ في ثكنة الفرير في الرميلة حتى سلّمته إلى الجيش بعد عام 1990. وجاء التحرير في 25 أيار عام 2000 وكانت أعظم مسرحية شاركت فيها الدولة وكان المتحدث الوحيد فيها السيد حسن نصرالله وتمّ تسليم المنطقة إلى وصاية الولي الفقيه التي تمدّدت إلى المناطق الأخرى. والمخزي أن جميع الأحزاب بما فيها «جمّول» شاركت في الإحتفالية كـ»كومبارس» بينما ارواح الشهداء تئنّ من الظلم.

 

معركة شباط وحرب المخيمات*كيف حصلت معركة شباط 1987؟

 

– كنا نحن ووليد جنبلاط معاً. عندما بدأت كان عنده مناسبة في مقام السيد عبدالله التنوخي في عبيه في منطقة عاليه ونحن مشاركون في حضورها، وأبلَغَنا «نحن معكم في هذه المعركة» بعدما وصلنا خبر أنّهم هجموا على مقرّاتنا التي كانت صارت محدودة ومحصورة بسبب وجود المخابرات السورية، التي كانت عادت إلى بيروت والضاحية الجنوبية بعد «معركة العلمين» بين «أمل» والحزب التقدمي الإشتراكي في تشرين الثاني 1985. كان الجيش السوري لا يزال في البقاع بعد صوفر.

 

أعتقد أن معركة 1987 عملوها حتى يرجعوا لأنّها بدأت من دون سبب واستهدفت في البداية مقرّنا في شارع الوتوات. كسحناهم عالآخر وأخرجناهم من بيروت. كانت حركة «أمل» في المعركة التي لم يشارك فيها «حزب الله». حصلت مواجهة بيننا وبينه عندما كانت السفارة الإيرانية لا تزال في المصيطبة آخر حيّ السريان. سقط قتلى في الإشتباك وكانوا اغتالوا لنا سهيل طويلة. وطلبوا وقف النار حتى لا نصل إلى السفارة. لم يكونوا مقاتلين جيّدين ولم تكن قد حصلت اشتباكات بعد بينهم وبين أي جهة أخرى.

 

+ لماذا قاتلتم مع الحزب التقدمي الإشتراكي ضد حركة «أمل»؟ وهل نسّقتم مع الفلسطينيين؟

 

– أي فلسطينيين؟ لم يحصل أي تنسيق. عندما بدأت حرب المخيمات بين «أمل» والفلسطينيين تهرّبنا من المشاركة فيها. كان هناك قرار مركزي سوري بأنّ الحزب التقدمي الإشتراكي والحزب الشيوعي يجب أن يشاركا في الهجوم على المخيمات.

 

* تبلغتم هذا القرار؟

– نعم.

 

* كيف؟

– أتوا إلى المركز وبلغونا.

 

* من؟ غازي كنعان؟

– أعتقد أكبر من غازي كنعان.

 

* من داخل سوريا؟

– من عبد الحليم خدّام على الأرجح، أي الأسد الأب.

 

* تبلغت أنت أم جورج حاوي؟

– مش أنا. ولكن رفضنا وأدخلنا السلاح إلى الفلسطينيين المحاصرين في المخيمات. كانت حركة «أمل» تتولّى المعركة ضدّهم وفي داخلها كان «حزب الله». المخيمات كانت صارت غير عسكرية فلماذا تهاجمونها وتقتلون الفلسطينيين وتبيدونهم؟

 

وليد جنبلاط ونبيه بري

 

 

الصراع بين الأسد وعرفات

* كانت فصلاً من فصول الصراع بين حافظ الأسد وياسر عرفات؟

– عال. ولكن شو خصّ لبنان؟ لذلك رفضنا. ووليد جنبلاط شارك في قصف المهاجمين.

 

* هو أم تنظيمات فلسطينية؟

– قالوا إنّها تنظيمات فلسطينية. هو قصف أحياناً ونحن ساعدناهم بإدخال السلاح والطعام.

 

* خرقتم الحصار؟

– اي حصار. لم يكونوا بحاجة لمساعدتنا أصلاً. اشتروا الذخيرة من داخل «أمل». مسؤولون في الحركة كانوا يُدخِلون لهم كل ما يحتاجونه مقابل المال. أعتقد أن هذا الثمن كان مطلوباً من حافظ الأسد تجاه إسرائيل. لقد دخل إلى لبنان من الأساس لضرب الفلسطينيين واليسار.

 

إنزال بحري لم يتمّ

+ حضرتم للمعركة في شباط أم كانت مفاجئة لكم؟

 

– كنا دائما حاضرين. نسّقنا مع الإشتراكيين واتبعنا تكتيكات عسكرية ذكية. هجموا علينا من جهة الطريق الجديدة آتين من الضاحية الجنوبية. نقلنا قواتنا إلى بيروت عن طريق البحر. استخدمنا 8 مراكب من صيدا.

 

+ شيوعيون؟

– واشتراكيون.

+ من كان معكم من الإشتراكيين على الأرض؟

– رجا حرب وشريف فياض وأكرم شهيب. عقدنا اجتماعات في بيت طلال أرسلان.

 

* كان معكم؟

– كان في أميركا. والدته (السيدة خولا) ساعدتنا.

 

* في خلدة؟

– نعم. كنا متفقين مع جنبلاط (ثمة وثيقة موقعة) على أنه إذا نجحت معنا العملية وسيطرنا على بيروت وفتحنا طريق الأوزاعي تكون بداية النهاية للحرب وأن يكون هناك حلّ نهائي مع المسيحيين الذين كانت لديهم مشكلة أساسية مع السلاح الفلسطيني الذي ما كان عاد موجوداً.

 

* انقلبت نتيجة المعركة عليكم؟

– صحيح. لأن طرفاً ثالثاً دخل على الخطّ.

 

* من؟

– حافظ الأسد.

 

* هدّدوكم؟ طلبوا منكم الخروج من الشوارع؟

– طلبوا وقف إطلاق النار فوراً.

 

* من قام بتبليغكم؟

– غازي كنعان مباشرة. اتصل بجورج وبوليد وطلب منهما بصيغة الأمر «بتطلعوا لعند الرئيس».

 

* استقبلهما خدّام وجعلهما ينتظران أمام مكتبه؟

– حصلت مضايقة لجورج. جعلوه ينتظر وقتاً طويلاً. وليد لم يجعلوه ينتظر.

 

* لم تذهب معهما؟

– أعوذ بالله. المشوار إلى سوريا كان بالنسبة إلي كأنّك ذاهب إلى وكر الأفاعي. لم أكن أحب المخابرات السورية وكنت حذراً منها.

 

+ عندما نزلوا إلى بيروت في 27 شباط 1987 بعد هذه المعركة هل لاحقوكم؟

– ليس كثيراً. ولكن أخرجنا سلاحنا. سحبناه إلى الرميلة.

 

* كنتم حضرتم لإنزال قوّة عبر البحر في الإوزاعي؟

– خطّطنا لهذا الأمر. كنّا سنستخدم عوامات لنقل وحدات عسكرية ورشاشات ثقيلة والهجوم من البحر. حضرنا القوة لتنطلق من شواطئ الرميلة والدامور ولكنّها لم تحصل. سبقونا وفاتوا بالدبابات على بيروت. وبدل أن يسلكوا طريق عاليه بيروت سلكوا طريق المختارة. فهم وليد جنبلاط الرسالة فوراً. كان هذا قرار حافظ الأسد وليس قرار غازي كنعان أو غيره. «أمل» كانت على وشك الإستسلام في بيروت. مقاتلونا كانوا من أشجع المقاتيلن لا يلتهون بالزعرنات ولا بالسرقات ولا بالنهب. من كان يرتكب مثل هذه الأعمال كنّا نطرده فوراً. لم يحصل عندنا قتل على الهوية.

 

+ حصلت مناوشات بينكم وبين «حزب الله»؟ حاولتم الرد على الإغتيالات؟

– هذا الأمر لا يزال سرياً ولا يعرفه أحد.

 

يتبع الأربعاء 10 كانون الثاني

النفي إلى موسكو: قالوا لي «بيقتلوك السوريين».