IMLebanon

تراجع الإدماج المالي يُنذر بتلاشي المجتمع

 

في آخر تقرير عن مؤشرات الخدمات المصرفية ( FINDEX) الصادر عن البنك الدولي، تراجعت نسبة الإدماج االمالي (FINANCIAL INCLUSION) من 45% عام 2017 إلى 21% عام 2021. الملفت والمحزن في آن عند الإطلاع على البيانات التي تضمنها التقرير الدولي، أن لبنان هو الدولة الوحيدة التي تراجع فيها الإدماج المالي، بينما تقدم ولو بوتيرة مختلفة في كافة دول العالم.

 

ويقاس الإدماج المالي في بلد ما بنسبة إنتشار الخدمات المصرفية بدءاً بابسطها ألا وهو حيازة حساب مصرفي. ومن نافل القول أن الثورة الرقمية لعبت دوراً بارزاً في انتشار الخدمات المصرفية حول العالم، خاصة في الدول النامية. فشهدت هذه الأخيرة نمواً مطرداً في الخدمات المصرفية الالكترونية، من بطاقات إعتماد، إلى كافة أنواع الدفع.

 

فمنذ عقد من الزمن، كان نصف سكان العالم خارج دائرة الخدمات المالية، وكان هذا الرقم أقل حتى بالنسبة للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط (LMICs) حيث 42% فقط من مواطنيها يملكون حساباً مصرفياً. اليوم، 76% من السكان على مستوى العالم و71% في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، أصبح لديهم حسابات مصرفية.

 

وبالعودة إلى لبنان، يبدو جلياً أن هذا التراجع للإدماج المالي ليس سوى النتيجة الحتمية للإنهيار المالي المستجد وأزمة القطاع المصرفي المرتبطة به. فالثقة بالمصارف وبالقطاع المالي إنعدمت، وخير دليل على ذلك تلك الطوابير أمام المصارف، لعملاء لم يعد يهمهم سوى سحب ما يستطيعون من اموال كانوا قد أودعوها لديها يوم كانت الثقة هي العنوان، وكان القطاع المصرفي يستقطب أموال اللبنانيين في الداخل والخارج. حتى أن المصارف اليوم وبسبب سلة التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان، وتعدد أسعار الصرف، وسياسات “أحتواء الأزمة”، لم تعد مستعدة لتقديم هذه الخدمات. حتى أن مجرد فتح حساب مصرفي أصبح من رابع المستحيلات.

 

أما تداعيات إنحسار الخدمات المصرفية على المجتمع والإقتصاد فهي أكثر من سيئة وعلى أكثر من صعيد. أول أثارها السلبية يطال الدولة وقدراتها. فكلما تراجع الإدماج المالي، كلما إانحسرت القدرة على المراقبة الضريبية، وتراجعت جراء ذلك العائدات الحكومية. ناهيك عن أن هذا التراجع يأتي لمصلحة الإقتصاد النقدي CASH ECONOMY الذي يشكل المحفّز الأول للتهريب والمنافسة غير الشرعية على حساب الإبداع والحقوق العمالية وشبكة الأمان الإجتماعي.

 

أمّا على مستوى الإفراد والأسر، فالخدمات المصرفية تقدم وسائل قيّمة للتخطيط للمستقبل، وتوفر الأدوات المناسبة للحد من المخاطر. الأمثلة الصارخة على ذلك، على سبيل التعداد لا الحصر: قروض الإسكان، والقروض الدراسية، وبرامج التقاعد… فكيف للمجتمع أن يتماسك ويستمر من دون هذه الأدوات؟ كيف لمجتمع أن ينمو إذا لم يتمكن شبابه من تأسيس عائلات لأنهم عاجزون عن تأمين مسكن، بسبب عدم توفر أدوات تمويله. وكيف لعامل أن ينام قرير العين مرتاح البال، إذا لم تتوفر الأدوات المالية التي تضمن شيخوخته. فإذا فقدها ضاقت به الدنيا وسلك طريق الهجرة.

 

بالمختصر، الخدمات المصرفية تشكل الدعائم الأساسية لتماسك المجتمع والإقتصاد في العصر الذي نعيش. وفي تراجعها أكثر من درس ومؤشر الى مستقبل البلد الصغير.