IMLebanon

لهذا سحَبَ بوتين قواته من سوريا

مرّة جديدة سرق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأضواء. أثبت أنه لاعب يُتقن فن المفاجآت ودقة الحسابات وخلط الأوراق على المسرح الدولي، وفق أجندته وتوقيته.

فاجأ الجميع باختياره اللحظة المناسبة للخروج من المستنقع السوري، كما فاجأهم بدخوله في 30 أيلول الماضي. الإنتصار الجزئي أفضل من المغامرة والرهان على انتصار كامل قد ينقلب هزيمة في وقت لاحق.

أعاد خلط الأوراق دراماتيكياً، فسارع صنّاع القرار والمحلّلون الى التماس الأسباب الحقيقية لهذا التطور الميداني الكبير وتقويم نتائجه الإستراتيجية في النزاع السوري.

غامرَ بوتين يوم دخل الى سوريا. خسرَ كثيراً من شعبيّته. تراجعَ الروبل نحو ثلاثمئة بالمئة، واضطرت الحكومة الروسية الى خفض رواتب موظفيها بنسبة ثلاثين في المئة. إنهارت مداخيل روسيا بسبب انهيار أسعار النفط. أرهقتها العقوبات الأوروبية. وأضيفت النفقات الحربية على الأعباء الإقتصادية.

كل هذه المعطيات ساهمت في قرار بوتين، لكن ثلاثة عوامل رئيسة سرّعت الإنسحاب:

1- ظهور خلافات بين موسكو ودمشق حول آفاق العملية العسكرية.

أ‌- رفض النظام المرحلة الإنتقالية، واعتبر وزير خارجيته وليد المعلم أن الحديث عن مصير الأسد «خط أحمر»، وأن وفده إلى جنيف لن يحاور أحداً يبحث في مقام الرئاسة.فاعتبرها الروس كما الأميركيون والأمم المتحدة محاولة لتخريب ما وافق عليه بوتين والإيرانيون، وتعطيل العملية السياسية.

ب‌- وافقَ الروس والإيرانيون على طرح بند مصير الأسد في مفاوضات «جنيف 3» في إطار الحل السياسي.

ج- تجاهل النظام نصائح روسيا بعدم السعي لاستعادة كل المحافظات السورية، ما اعتُبر تخطياً للقرارات الدولية التي نصّت على إجراء إنتخابات رئاسية وتشكيل هيئة حكم إنتقالية.

2- إتفاق واشنطن وموسكو على فتح باب التسوية السياسية في سوريا والتنسيق في كل الخطوات، من أجل تطبيق التقسيم الفدرالي في سوريا.

وفي الوقائع الإستراتيجية إن اتفاق كيري-لافروف الذي يحلّ محلّ اتفاق سايكس-بيكو لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، لا يهتم بمصير الأسد، وإنما في مستقبل سوريا. والتقسيم لا يتحقق بحسم عسكري وإنما بتوافر موازين قوى بين النظام والقوى المتنازعة.

وعندما تعرّض النظام لتهديد جدّي بالسقوط عسكرياً بعد خسارته في معارك إدلب وجسر الشغور تدخّلت القوات الروسية. وبعد إعادة تصحيح موازين القوى على الأرض، قررت موسكو سحب قواتها للضغط على النظام للمضي في الحل السياسي.

الآن، لم يبقَ أمام النظام خيارات كثيرة. فهو إمّا أن يمضي، أو يمضي. إمّا أن يمضي في الحرب ويُخاطر بالهزيمة، وإما أن يقبل بنتائج المفاوضات ويمضي على وثيقة الحل السلمي برعاية أميركية وروسية وبإشراف الأمم المتحدة.

دخلت الأزمة السورية منعطفاً مصيرياً. ربح بوتين حتماً. والسؤال اللبناني هو ماذا سيفعل «حزب الله».. هل يعود الى لبنان أم يربط مصيره بمصير الأسد؟