IMLebanon

السنيورة يروي مسار «الترسيم الأول» والخط 23 (1)

 

حكومتي بمشاركة «حزب الله» رسمت النقاط جنوباً وشمالاً… ولم أسلم من التخوين

 

يقدم الرئيس فؤاد السنيورة روايته لـ «الترسيم الأول» الذي حصل خلال حكومته الثانية في أعوام 2007 و2008 و2009، والذي حدّد الخط 23، وهو الخط الذي يذهب لبنان اليوم بمباركة «حزب الله» إلى توقيع اتفاق ترسيم حدوده البحرية الجنوبية مع إسرائيل، بعدما ساق الحزب حملات تخوين ضده وضد الفريق السياسي الذي يمثل، بحسب ما كانت تقتضي حسابات الحزب ما فوق لبنانية.

 

يروي السنيورة أن مسار الترسيم بدأ مع تمنّي الحكومة القبرصية على لبنان القيام بعمل مشترك لتحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين. عندها بادرت الحكومة اللبنانية، وعبر وازارتها وأجهزتها المعنية إلى تحديد خط الوسط بين البلدين بما يمهّد للبدء بأعمال الاستكشاف لمكامن البترول والغاز كلّ في منطقته، على أن يتمّ فور ذلك المبادرة إلى تعيين النقطة الثلاثية في حدود لبنان في منطقته الاقتصادية الخالصة بشكل منفرد لتعذّر تحديدها من قبل الأطراف الثلاثة (لبنان وقبرص وفلسطين المحتلّة) جنوباً، و(لبنان وقبرص وسوريا) شمالاً.

تسلسلت الأمور على الشكل الآتي:

أوّلاً: تمّ التوصّل إلى مسوّدة صيغة الاتفاقية التي تُحدّد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في خط الوسط لكلّ من لبنان وقبرص. وهي اتفاقية ثنائية مؤقّتة قابلة للتعديل بشأن خطّ الوسط الذي يفصل بين البلدين. ويحدّد هذا الخط جزءاً مهمّاً من خط الوسط بين الدولتين التي تَكون كلّ نقطة عليه على المسافة عينها من أقرب النقاط على خط الأساس لكلا البلدين. وهذا الخط مؤلّف من ستّ نقاط بدءاً من النقطة رقم 1 جنوباً حتى النقطة رقم 6 شمالاً. ولقد تمّ ذلك من دون تحديد إحداثيات نقطتَيْ طرفَيْ هذا الخط بشكل نهائي: أي من دون تحديد النقطة الثلاثية الجنوبية بين لبنان وفلسطين المحتلّة وقبرص، والنقطة الثلاثية الشمالية بين لبنان وسوريا وقبرص.

ويعود السبب في ذلك إلى استحالة تحديد هاتين النقطتين لما يقتضيه ذلك من وجود ومشاركة وموافقة الأطراف المعنيين الثلاثة في كلّ من نقطة الشمال مع سوريا، وفي نقطة الجنوب مع فلسطين المحتلة. جرى ذلك استناداً إلى إدراك والتزام كاملين من قبل الطرفين، اللبناني والقبرصي، أنّ طرفَيْ هذا الخط من الشمال ما بعد النقطة رقم «6»، ومن الجنوب ما بعد النقطة رقم «1»، يتعذّر تحديدهما بشكل نهائي قبل ترسيم الحدود البحرية الشمالية مع سوريا، والحدود البحرية الجنوبية مع فلسطين المحتلّة، لأنّ ذلك يتطلّب ترسيماً ثلاثيّاً لحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة البحرية التي يشترك كلّ منهما (لبنان وقبرص) فيها مع سوريا شمالاً ومع فلسطين المحتلّة جنوباً.

وقد تمّ توقيع مسوّدة مشروع اتفاقية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص في 17/01/2007 التي نصت، بشكل واضح، على أنّه «يمكن مراجعة أو تعديل الإحداثيات الجغرافية للنقاط 1 و/أو 6 وفقاً للحاجة في ضوء التحديد المستقبلي للمناطق الاقتصادية الخالصة مع دول الجوار الأخرى المعنيّة، ووفقاً لاتفاقية يتمّ التوصّل إليها حول هذه المسألة مع دول الجوار المعنية».

واعتمدت الاتفاقية المؤقتة بين لبنان وقبرص النصوص نفسها التي اعتمدتها مصر في الاتفاقية الثنائية الموقّعة بينها وبين قبرص في عام 2003، ثمّ اعتُمدت في الاتفاقية الثنائية الموقّعة بين «إسرائيل» وقبرص بتاريخ 17 كانون الأول 2010، واستندت إلى النصوص المعتمدة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي كانت قد انضمّت إليها قبرص في عام 1988، والتي انضمّ إليها لبنان في عام 1995.

ونصّت المادة 3 من مسودة الاتفاقية على انه «إذا دخل أيّ طرف من الطرفين في مفاوضات تهدف إلى تحديد منطقته الاقتصادية الخالصة مع دولة أخرى، يتعيّن على هذا الطرف إبلاغ الطرف الآخر والتشاور معه قبل التوصّل إلى اتفاقية نهائية مع الدولة الأخرى إذا ما تعلّق هذا التحديد بإحداثيات النقطتين (1) أو (6)».

ثانياً: بعد إنجاز مسوّدة مشروع الاتفاقية بين لبنان وقبرص، ونظراً إلى كون ذلك الترسيم لم يكن قد اكتمل فإنّ الحكومة اللبنانية لم تقُم بإحالة نصّ المسوّدة المؤقّتة لخط الوسط بين البلدين إلى المجلس النيابي نظراً إلى الحاجة أوّلاً إلى استكمال تحديد حدود لبنان النهائية جنوباً وشمالاً لتلك المنطقة الاقتصادية الخالصة، وثانياً للقيام بالمزيد من الدراسات.

ad

وعليه، باشرت الحكومة اللبنانية العمل على استكمال ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة للبنان من الناحيتين الشمالية والجنوبية بشكل انفرادي مع كلّ من سوريا في الشمال ومع فلسطين المحتلّة في الجنوب، وذلك لتعذّر الترسيم معهما للأسباب المعروفة.

ونزولاً عند طلب وزير الطاقة والمياه تمّ تشكيل لجنة من الوزارات والإدارات المعنيّة، كانت مهمّتها وضع تقرير مفصّل عن الحدود البحرية الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة، وبادرت بتاريخ 30/12/2008 إلى تأليف لجنة لإعادة دراسة مسوّدة مشروع الاتفاقية الموقّعة مع قبرص، وذلك للمزيد من التأكّد من سلامة ما توصّلت إليه الحكومة اللبنانية في تحديدها لخط الوسط.

وتألّفت اللجنة الخاصّة التي عيّنتها الحكومة اللبنانية في نهاية عام 2008 بموجب القرار رقم 107/2008 من ممثّلين عن وزارات الأشغال العامة والنقل، الطاقة والمياه، الدفاع، والخارجية والمغتربين، إضافة إلى الجيش اللبناني، المجلس الوطني للبحوث العلمية ورئاسة الحكومة اللبنانية. وتوصّلت تلك اللجنة من طرف واحد إلى ترسيم الحدود البحرية الجنوبية للبنان مع فلسطين المحتلّة (العدو الإسرائيلي) والحدود البحرية الشمالية مع سوريا، وبذلك تمكّنت اللجنة من تعيين طرفَيْ خط الوسط مع قبرص، بحيث أصبح الطرف الجنوبي هو النقطة الثلاثية 23 التي تقع جنوب النقطة رقم 1، والطرف الشمالي النقطة الثلاثية رقم 7 التي تقع شمال النقطة رقم 6. وهي استعانت بدراسة لترسيم الحدود البحرية اللبنانية أعدّها المكتب الهيدروغرافي البريطاني (UKHO) في عام 2006، التي اعتمدت نقطة تقع بين النقطة «1» والنقطة «23» باعتبارها الحدّ الجنوبي للحدود البحرية اللبنانية مع قبرص ومع فلسطين المحتلّة من إسرائيل.

إلا أنّ القرار اللبناني في ذلك الوقت لم يعتمد الطريقة المعتمدة في الدراسة البريطانية لترسيم الحدود البحرية الجنوبية، بل اعتمد طريقة أخرى أكثر تشدّداً تعطي لبنان مساحات إضافية جنوباً (Most Aggressive Line)، ولهذا السبب كانت النقطة «23». وقد كانت وجهة نظر لبنان آنذاك أنّ هذا التحديد يعطي لبنان مجالاً جيّداً للتفاوض في الحالتين شمالاً وجنوباً عندما يؤون الأوان.

وخلصت اللجنة في تقريرها الذي أعدّته بتاريخ 29/4/2009 إلى القول إنّه «بعد مقارنة تلك الحدود الجنوبية، وخاصة في النقطة 23، مع تلك المقترحة في التقرير الذي أعدّه مكتب المملكة المتحدة الهيدروغرافي (UKHO) في عام 2006، وتبيّن للّجنة أنّ ما تمّ تحديده من قبلها هو أكثر لمصلحة لبنان، ولا سيّما أنّه قد تمّ تحديده وفق ما نصّت عليه أحكام موادّ قانون البحار، وحيث اعتمدت بشأنه الخرائط المتوافرة آنذاك».

وقد تم التوقيع على تلك الخرائط وعلى التقرير بتاريخ 29/4/2009 من قبل عشرة أشخاص يمثّلون الوزارات والإدارات اللبنانية المعنيّة التي تشكلت منها اللجنة الخاصة بدراسة خط الوسط جنوباً، منهم أربعة أعضاء يمثّلون وزارة الدفاع الوطني (انظر الملحق رقم اثنين)، وبناءً على ذلك، فقد صدر عن مجلس الوزراء القرار رقم 51 بتاريخ 13/5/2009، الذي يؤكّد الموافقة على التقرير الذي أعدّته اللجنة عن الحدود البحرية الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة.

تلك الحكومة كان يشترك في عضويّتها أعضاء من حزب الله ما يسحب من يد الحزب كلّ الحجج والمقولات المُدّعاة التي تتّهم حكومته الثانية بارتكاب أيّ تفريط بحدود منطقة لبنان الاقتصادية الخالصة.

في 14 تموز 2010 بادر لبنان إلى إيداع الأمم المتحدة إحداثيات حدود منطقته الاقتصادية الخالصة الجنوبية مع فلسطين المحتلّة (العدوّ الإسرائيلي)، أي خطّ الناقورة – النقطة رقم 23، بشكل منفرد، وذلك لاستحالة التفاوض مع العدوّ الإسرائيلي.

 

كما أودع بنان لدى الأمم المتحدة إحداثيات الحدود الشمالية مع سوريا في النقطة 7، وهي النقطة التي جرى تحديدها أيضاً بشكل منفرد من قبل لبنان لعدم رغبة الجانب السوري في التفاوض مع لبنان آنذاك.

الإثنين الجزء الثاني