قبل أن يتوصل الوسطاء بين واشنطن وطهران منتصف ليل الأحد – الاثنين إلى اتفاق لوقف الضربات الموضعية المتبادلة في مضيق هرمز ومحيطه المائي واليابس، معطوفاً على اقتراح مبدئي بعقد اول اجتماع لـ«لجنة خفض التصعيد» في الدوحة، التي تجمعهما مع ممثلين من لبنان وقطر اليوم، كانت كل الاتصالات جارية لتحديد الخطوات الآيلة لتطبيق «اتفاق الإطار» الخاص بلبنان، و«تفاهم سويسرا» الخاص بإيران، وإن كان ممكناً إطلاق ما قالا به قبل أن تبتلعهما مهلة الأيام الـ60؟ وعليه ما هو الجديد المطروح؟
تزامناً مع تعبير مراجع ديبلوماسية وسياسية محلية وإقليمية، عن قلقها من التوترات الأمنية على جبهة الجنوب اللبناني، كانت تتطلع بعيون مماثلة إلى جبهة إيران، بعد تجدّد العمليات العسكرية المحدودة في مضيق هرمز ومحيطه. ومردّ ذلك إلى استمرار أعمال الاغتيال الاسرائيلية ونسف الأنفاق على رغم من «اتفاق الإطار» الذي صدر عن «طاولة واشنطن 5» الجمعة الماضي. وهو ما عبّرت عنه البيانات التي صدرت عن «قيادة المنطقة الوسطى الأميركية» من جهة، ومقرّ «خاتم الأنبياء» و«الأمن القومي» الإيرانيين من جهة أخرى. فهي كانت تُنبئ باستئناف الأعمال الحربية في أي وقت كما كانت عليه قبل «تفاهم بورغنشتوك» السويسري. بعدما جدّد الطرفان تهديداتهما بإلعودة إلى الحرب، ما لم تتوقف القوات الإيرانية عن استهداف السفن العابرة في المضيق، بعد تصنيفها بين صديقة وعدوة، ووقف الغارات الأميركية على القواعد الصاروخية في الجزر الإيرانية وما تلاها من قصف الكويت والبحرين.
على هذه الخلفيات، اتجهت الأنظار إلى الداخل اللبناني، لرصد ردّات الفعل المحتملة على ما انتهت إليه مفاوضات واشنطن من توجّهات، عقب السقف العالي الذي رفعه الرئيس نبيه بري بكل الأدوار التي يتولاها. فهو في الفترة الاخيرة، وتحديداً بعد ملء الشغور في قصر بعبدا، يشعر بأنّ بعضاً من تلك المرحلة التي كان يدير فيها شؤون الدولة ومنها تلك التي سبقت التوصل إلى تفاهم 27 ت2 2024 قد انتهى. وهو اليوم، سواء كان بصفته رئيساً لحركة «امل» او «الأخ الأكبر» في «الثنائي الشيعي» بات على اقتناع تام باستحالة تلبية كل المطالب التي رفعها، اعتقاداً منه أن بقدرته استيعاب موقف «حزب الله» المتعالي على كثير من الحقائق، نتيجة إمساك الحرس الثوري الإيراني بكل ما يجري عسكرياً وسياسياً.
ويضيف العارفون، انّ الرئيس بري لا يمكنه التحكّم بالمجلس النيابي كسلطة تشريعية، وهو يتجنّب طرح موضوع المفاوضات على أي جلسة نيابية عامة. ذلك انّ كل التوقعات بإمكان حصوله على توصية نيابية تدعم توجّهاته، مخاطرة لا يمكن خوضها. كما أنّه لا يمكنه خرق التجارب السابقة، عندما حجب عن الهيئة العامة للمجلس ما انتهى إليه تفاهم 27 ت2 2024، كما الوثائق الخاصة بالترسيم البحري التي ربطها بصلاحيات رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وهو لا يمكنه الاعتراف اليوم بهذا الواقع بعد انتهاء تلك المرحلة والظروف التي تحكّمت بها، لألف سبب وسبب. ولذلك، هو اليوم في موقع حرج جداً، يحاول الجميع تجنّب وضعه أمام مثل هذا الاختبار الصعب، وهو متفهم لكل هذه الحقائق، وسبق له أن أسرّ إلى عدد من زواره، وطمأن ديبلوماسيين وموفدين عرباً وغربيين وأميركيين، بأنّه ينتظر اللحظة المناسبة للتأكيد على «وحدة أهل الحكم»، وبأنّه لا ينوي نسفها. فهو يدرك أكثر من غيره حجم العقبات التي تحول دون الغوص في لبّ المشكلة المتصلة بالجزء الأساسي منها بمصير سلاح الحزب، وانّ القرار المتخذ في طهران يحول دون مجرد التفكير بمثل هذه الخطوة حتى اليوم، قبل أن تنتهي عملية الاختبار الجارية مع الولايات المتحدة الأميركية. وأنّه لا يمكن للقيادة الإيرانية التخلّي عن الحزب الذي أنفقت عليه عشرات المليارات من الدولارات لمثل هذه اللحظة، خصوصاً انّها افتقدت أذرعها في المنطقة، من فنزويلا إلى سوريا والعراق على الطريق بعد اليمن.
وإلى هذه الملاحظات، التي يتجنّب البعض الغوص فيها بطريقة علنية، ليست خافية على أحد أعتق الديبلوماسيين المعتمدين في لبنان، الذي كشف عن اقتناعه بصعوبة المهمّة التي يقوم بها بري. ولكنه في الوقت عينه يخشى التداعيات المترتبة على ما هو مطلوب من رعاية إيرانية مباشرة للشيعة في لبنان، وتكريس نوع من الفيدرالية المذهبية والتربوية والاجتماعية والصحية والعسكرية، في ظل حجم المؤسسات التي يديرها الحزب، والتي في حال فقدان إحداها، قد يحدث زلزال سياسي واجتماعي كبير. ولا سيما عند إحصاء عدد شهدائه ومتطلبات عائلاتهم، والتكلفة المالية لأنشطته وإدارة مؤسساته، خصوصاً بعدما حلّت النكبة بالجنوبيين والبقاعيين وأينما وجدت بيئته الحاضنة، التي لم تستوعب بعد ما انتهت إليه أعمال التفجير والتجريف. وكل ذلك لا يُقاس بإمكان حصول اي طحشة أخرى من دولة إقليمية، لرعاية شؤون مذاهب وطوائف أخرى تيمناً بـ«التجربة الايرانية». وقد تعدّدت التقارير التي تتحدث عن مشاريع رعاية مماثلة، يُخشى أنّها قطعت أشواطاً في الكواليس السياسية والمالية.
وبناءً على ما تقدّم، تنتهي المراجع الديبلوماسية والسياسية، إلى التنبيه من مخاطر تجاهل اكثر الحقائق التي تكمن خلف المواقف السلبية، وقد أحيت الخلافات الشخصية إلى درجة كبيرة. فالقرار التاريخي المطلوب أن يُجمع عليه اللبنانيون اليوم، يكمن في إنهاء حال العداء مع إسرائيل، قبل أن تسبقهم إيران إلى مثل هذه الخطوة برؤيتها الخاصة لعلاقتها المقبلة مع واشنطن، والبقية تفاصيل بما فيه الحديث عن مصير السلاح.