IMLebanon

لعبة الوقت

 

لا يختلف إثنان في لبنان أنّ الحكومة التي شُكّلت بشق الأنفس ليست فريقاً منسجماً قادراً على الإنتاج، بل مجموعات متناحرة أنهت صراعاً مريراً في سبيل التمركز داخل جنّة الحكم، وتفرغت لحروب الإستئثار السياسية والمالية. الملفت للنظر كان في انتقال صقور التحالف الحاكم، وتحديداً «لبنان القوي» و«حزب الله» نحو محاولة حسم صراعاتها من الجولة الأولى، أو مباشرة المعركة من الجولة الأخيرة.

ملفات خلافية عديدة وضعت، في تلازم وتوقيت مشبوهين، على طاولة النقاش السياسي وما بين الطوائف مباشرة بعد تشكيل الحكومة، بدون مقدّمات موجبة، لتحضير مناخات المواجهة. استُحضر قانون الزواج المدني الإختياري ليشكّل مجالاً للنقاش على المستوى السياسي وعلى مستوى رؤساء الطوائف، وكأنّ اللبنانيين استكملوا كل الجوانب المدنية في حياتهم العامة والخاصة وخيّمت دولة القانون عليهم، ولم يعدّ ينقصهم سوى تتويجها بقانون الزواج المدني.

إنطلقت بعد ذلك سلسلة من الصدامات المتسارعة والمتداخلة. زيارة وزير شؤون النازحين صالح الغريب لدمشق قبل التئام الحكومة وتصريحاته حول ضرورة استعادة التواصل مع سوريا، وضع رئيس الحكومة في خانة العالم بالزيارة والعاجز عن انتقادها، مما أدّى إلى انفجار النقاش داخل مجلس الوزراء حول الصلاحيات وإلى انكفاء رئيس الحكومة وتحمّل سقطة غير دستورية في أول اجتماع لحكومته. استُكمل الصدام بتقدّم حزب الله عبر النائب حسن فضل الله بإخبارحول «فساد مزعوم» بقيمة أحد عشر مليار دولار.هذا الرقم، بمجرد ذكره،أضحى عنواناً ممجوجاً لدى اللبنانيين لكثرة استحضاره ولضحالة مردوده ولإدراكهم لحقيقته. إجتماعات لجنة المال والموازنة النيابية التي أعقبت الحملة الإعلامية العرجاء جاءت أشبه باستدعاءات لوزراء، لم يتسنَّ لهم التعرّف على وزاراتهم، ولسؤالهم عن تعيينات حصلت في زمن من سبقهم ولأسباب إنتخابية يدرك رئيس لجنة المال والموازنة ظروفها ومن هم الأحزاب والتيارات السياسية التي استفادت منها. تزامنت موجة مكافحة الفساد مع ارتفاع وتيرة الإستنفار داخل الطائفة الدرزية على خلفية اشتباكات تويترية بين رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط من جهة، والنائب طلال إرسلان والوزير السابق وئام وهاب اتّسمت بالخروج عن المألوف وبانحدار الأدبيات المتداولة وبالإستعداد للإنحدار بالأمور حتى القعر.

لا تحتاج الحملات الخبط عشوائية وتسارعها من قبل حلف مار مخايل وملحقاته الى طول عناء لفهم استهدافاتها. فتحت موازين القوى التي أفرزتها الإنتخابات النيابية وحكومة العهد الأولى شهيّة حلفاء سوريا لمحاكمة المرحلة الممتدة منذ اتّفاق الطائف وحتى الخروج السوري بموجب القرار 1559. وبهذا السياق تصدّر رئيس اللقاء الديمقراطي المتموضع خارج التحالفات المكتملة العناصر التي حيكت قُبيل الإنتخابات الرئاسية وبعدها والمتمسّك بموقفه من النظام السوري قائمة لائحة الأهداف، يشاركه في ذلك كل رموز الإرث السياسي للرئيس الشهيد رفيق الحريري في مسيرةالخروج عن طاعة دمشق. بدا عنوانا عودة اللاجئين السوريين ومكافحة الفساد بمثابة وسيلتين تتقاطعان في دمشق بفك عزلتها والإقتصاص من خصومها.

لا تبدو الجهود اللبنانية قادرة على النجاح في ظلّ ما تعانيه دمشق من ضعف وإرتباك. على المستوى اللبناني أيقظت الحملة المسعورة على الرئيس السنيورة كل الشياطين النائمة، ووضعت الرئيس سعد الحريري في موقف حرج ، لا سيما أنه يستعد لخوض معركته الإنتخابية في الشمال. أما في سوريا،حيث يخرج شمالها الشرقي عن سيطرتها برعاية أميركية دون أن يسجّل أي تحرك ملموس لموسكو أو لطهران أو حتى لتركيا التي كانت تملأ المشهد ضجيجاً، ولربما يذهب الأكراد أيضاً الى إدارة ذاتيّة الى أجل محدود لإجبار دمشق على الدخول في العملية السياسية.

وتزداد عزلة دمشق بعد المعلومات عن تراجع مصر عن طلب عودة سوريا الى الجامعة العربية بضغط من واشنطن وهذا ما عبّر عنه وزير الدولة للشؤون الخارجية في المملكة العربية السعودية أحمد الجبير خلال مؤتمر صحفي بالأمس مع نظيره الروسي سيرغي لا فروف،وعن إعادة اقفال سفارة دولة الإمارات العربية المتّحدة في دمشق. ويصبح ملف عودة اللاجئين السوريين ملفاً ضاغطاً ومحرجاً بالنسبة للنظام السوري مع اقتراب إنتخابات مجلس الشعب السوري بعد عام تقريباً حيث يطالب النظام بعدم إشراك السوريين المتواجدين في بلدان اللجوء في الإنتخابات في حين يصرّ المجتمع الدولي على إشراكهم تطبيقاً لما أعلنته موسكو ودمشق أنّ مصير النظام في سوريا يحدّده الشعب السوري.

يدخل تحالف مار مخايل الأجندة اللبنانية في سباق مع الوقت لإنقاذ سوريا من الإستحقاقات الدوليّة، ولكن هل يمكن تحقيق جملة من الأهداف في وقت واحد وفي ظروف لا تبدو مؤاتية؟

*

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات