IMLebanon

تخبّط سياسي وعدم جهوزيّة الجيش… بايدن يحاول شراء الوقت لـ “إسرائيل”

 

حزب الله “سيكون حيث يجب أن يكون” منعاً لكسر “الخطوط الحمراء”

 

رسائل ديبلوماسيّة عربيّة وغربيّة:

 

الجيش الأميركي مستعدّ للتدخل…!

 

بعد “رسائل” ميدانية واضحة على الحدود الجنوبية اثباتا للجهوزية، ولمنع “اسرائيل” من تعديل قواعد الاشتباك القائمة، خرج حزب الله عن صمته اعلاميا ورد على الضغوط الاميركية العلنية، والبعيدة عن الاضواء، واصدر بيانا خلاصته ان التهديدات والتهويل لن تخيفه ، ولن تردعه عن القيام بما يجب القيام به ميدانيا عندما يكون التوقيت مناسبا لذلك.

 

هذا الموقف المتوقع، ردا على الوقاحة الاميركية غير المسبوقة في دعمها الاعمى لدولة الاحتلال الاسرائيلي، يأتي في توقيت شديد الاهمية حيث تلامس الاحداث جنوبا “الخطوط الحمراء”، مع ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية في غزة. ويبقى السؤال: هل ستقع “اسرائيل” واميركا مرة جديدة ضحية الحسابات الخاطئة، كما حصل مع التقييم الفاشل للاوضاع في غزة قبل عملية “طوفان الاقصى”؟ وما الذي يدفع الرئيس الاميركي جو بايدن الى اعلان “صهيونيته” بطريقة فجّة فاجأت “الاسرائيليين” انفسهم؟ ولماذا هرع لانقاذ “اسرائيل”؟

 

حالة الصدمة والذهول في “اسرائيل” لم تنته بعد، على الرغم من محاولة اظهار العكس، تقول اوساط متابعة لهذا الملف، ولهذا فان التدخل الاميركي المباشر عبر الدعم العسكري اللوجستي، وارسال حاملة الطائرات “جرارد فورد” الى المنطقة، له ثلاثة ابعاد:

 

– الاول: نفسي لوقف حالة الهلع والانهيار، وهو حاول اعطاء “الإسرائيليين” شحنة معنوية وأملاً في إمكان الخروج من المأزق والصدمة الكبرى في ظل فقدان الثقة بدولتهم، بعد ان بات بالنسبة لهم المستقبل مجهولاً وغير موثوق به. فمن واجب الدولة الأساسي تأمين الأمن والأمان لمواطنيها، وهذا ما فشلت به “إسرائيل”، وبدون ذلك لن يستطيع “الاسرائيليون” العيش فيها. فالصهيونية بَنَتْ هنا دولة قبل 75 عاماً، لتكون ملجأ لليهود في العالم، واليوم يبدو أنها المكان الأخطر عليهم، وهي ما زالت غرسة غريبة في المنطقة وتواجه تحديات خطرة. لهذا وجب التدخل لمنع الانهيار.

 

– الثاني: سياسي، فالتدخل الاميركي لا يتوقف عند الدعم النفسي، فقد مارس بايدن ضغطا على رئيس حكومة الاحتلال لضم المعارضة في اطار حكومة حرب، لانه يدرك ان الانقسامات كارثية وتهدد بانهيار داخلي غير مسبوق، لكن ما لا يدركه، انه ليس من السهل إدارة حرب حين تنعدم الثقة بين أعضاء “الكابينت”، ولا يصدق الجميع أي كلمة لرئيس الوزراء. فوزير الدفاع يوآف غالانت يعرف جيدا ان بني غانتس لا يريده الاستمرار في مركزه، وهو سبق وعارض تعيينه اصلا.

 

ووفقا لصحيفة “يديعوت احرنوت”، في أثناء حملة “الرصاص المصبوب” في غزة في 2009، كان “الكابينت” منقسماً بين رئيس الوزراء أولمرت، وزير الدفاع باراك، وزيرة الخارجية تسيبي لفني، رئيس الأركان غابي أشكنازي وقائد المنطقة الشمالية يوآف غالانت. وهو توتر صعّب من إدارة الحملة. ومقارنة بما سيحصل في “الكابينت” الذي يقترحه بايدن اليوم ، كانت تلك الحكومة جنة، بحسب تعبير الصحيفة، في ظل الألغام التي سيزرعها وزيري التطرف سموتريتش وبن غفير. وبرأيها، معجزة فقط ستسمح للحكومة بأن تبقى على قيد الحياة، بعد القصور الرهيب الذي حدث السبت والتحديات التي بانتظارها.

 

– الثالث : البعد العسكري هدفه الرئيسي منع حزب الله من دخول الحرب، عبر ضغط ديبلوماسي “رهيب” وغير مسبوق، حيث لم يبق اي سفير عربي وغربي في بيروت الا ومرر “رسالة” تقول ان واشنطن جادة بالتدخل عسكريا، وأرسل الجيش “الإسرائيلي” إلى الحدود مع لبنان قوات كبيرة، وتأمل “إسرائيل” ألا تتفاجأ مرة أخرى، وتحاول أن تردع المقاومة بالتهديدات وبخطوات محدودة ميدانيا، وبتنسيق سياسي وأمني مع الولايات المتحدة. وكان بيان الرئيس الأميركي عن إرسال حاملة الطائرات وأسراب من الطائرات الحربية إلى المنطقة لدعم “إسرائيل”، إشارة جدية كما تقول اوساط ديبلوماسية، التي اكدت ان الرسائل الى بيروت كانت واضحة بان الامر غير استعراضي، والولايات المتحدة لن تتوانى عن دخول في اشتباك مباشر لحماية “اسرائيل”، بعد الانهيار التام للمنظومة الأمنية على الصعيدين الاستخباراتي والعملياتي. فواشنطن ترى ان احد السيناريوهات الخطرة التي يمكن أن يواجهها الجيش “الاسرائيلي” في هذه اللحظة المفصلية هو التعامل مع معركة متعددة الجبهات، وسط قلق متنام ايضا من انضمام عرب 48 إلى القتال، عبر إغلاق المحاور والطرقات التي تؤمن الدعم اللوجستي للجيش “الاسرائيلي”.

 

ولا تتوقف الازمة العميقة داخل “اسرائيل” عند هذا الحد، فحتى مسألة الدخول الى غزة تحدث ارباكا في الاوساط العسكرية والسياسية، فرئيس حكومة الاحتلال السابق نفتالي بينيت حذر من مغبة الوقوع في “مصيدة” على شكل حملة برية واسعة تتورط “إسرائيل” نتيجتها في رمال غزة حتى تستنزف، وعندها ربما ينقض حزب الله على الجبهة الشمالية. كما يؤكد وزير الأمن الأسبق موشيه يعلون على ضرورة التريث والتأمل قبيل اتخاذ قرار باجتياح في قطاع غزة، وتحديد الهدف أيهما أهم الجبهة الجنوبية أم الشمالية، المرشحة لأن تشتعل هي الأخرى. من جهته، حذر الجنرال في الاحتياط يتسحاق بريك من اجتياح بري تقليدي، وقال: إن دخول منطقة مكتظة مليئة بالسلاح سيوقع الدبابات “الإسرائيلية” في مصيدة حقيقية. وقبل أن ندخل للانتقام من حماس علينا تخطيط ذلك، والاستعداد لفرضية الدخول في حرب اقليمية. وقد اختصر المحرر للشؤون العسكرية في صحيفة “هآرتس”عاموس هارئيل، المعضلة الراهنة بالقول” لو افترضنا جدلاً بأن “إسرائيل” نجحت في تحقيق الأهداف بتدمير حماس، ماذا ستفعل مستوطنات الجليل أمام النمر المجاور لها- حزب الله؟؟

 

في الخلاصة، تحاول واشنطن “شراء الوقت لاسرائيل”، فهي حتى الآن لا تملك تعريفا واضحا لأهداف الحرب بطريقة تسمح للجيش بتركيز الجهود وتفعيل القوة في غزة، ولهذا فان تأجيل هجوم متعدد الجبهات على “إسرائيل” امر حيوي، في ظل “الحاجة الاسرائيلية” إلى إجراء إصلاح عاجل على مستوى قيادة سلاح البر، بطريقة تسمح له بتحقيق الأهداف الإستراتيجية التي وضعها المستوى السياسي بأفضل ما يمكن. ولهذا تضغط واشنطن على حزب الله بكافة الاساليب، باعتباره الجهة الاكثر تأثيرا في مسار المواجهة للبقاء خارج “الصورة”، لكنها حتى الآن تلقت ردودا واضحة ميدانيا، وعبر “وسطاء” بان الوعيد والتهديد والتهويل “مش ماشي حالهم”، وحزب الله سيكون حيث يجب ان يكون، وفي التوقيت المناسب الذي يحمي لبنان، ويمنع “اسرائيل” من تعديل قواعد الاشتباك، او تجاوز “الخطوط الحمراء” التي تعرفها جيدا في فلسطين والمنطقة. وقد تكون “اسرائيل” ومعها اميركا امام “فخ” الحسابات الخاطئة والغرور الذي اغرقهما في “طوفان الاقصى”.