IMLebanon

“الهاكرز” مثل ظلّنا… ما هي قصّة بيزنس الرنّة الواحدة؟

 

إتصالات من المالديف وتونس وروسيا وبورتوريكو والسودان

 

القصة قديمة – متجددة. تتكرر مع الكثيرين. يرد اتصال مجهول من منطقة مجهولة. رنّة واحدة فقط. نبحث عن كود الإتصال: جزر المالديف، روسيا، بورتوريكو، السودان، الجزائر… ونبدأ في التفكير: من يا ترى المتصل؟ نستعيد أسماء المعارف في الغربة. هل هو من أحد هؤلاء؟ لا، لا. هناك من يتصيدون الناس في هكذا إتصالات. نظن أنفسنا أذكياء الى أن نقع في الفخ ونعاود الإتصال بسرعة – في لحظة تخلٍّ – بأحد الأرقام، ظناً منا أنه اتصال صحيح بريء نظيف… ونأكل الضرب. ها نحن في العام 2023 ونحن مشغولون بآخر أخبار روسيا وأوكرانيا وكرسي رئاسة الجمهورية الشاغر وأحوال حاكم مصرف لبنان وجولات جان إيف لودريان المقبلة وترسيم الأراضي بين لبنانيي الجرود ودماء مالك وهيثم وقعنا في الفخّ. فماذا في التفاصيل؟

البارحة أكلت شخصياً الضرب. والكلفة دولار واحد خسارة. قلتُ في نفسي: خير. إنقضى الأمر بسحب دولار من رصيدي يساوي بحسب سعر صيرفة 86 ألف ليرة. لكن، من يضمن ألّا يتكرر الإتصال الوسخ ونكرر الوقوع في الفخ؟ الإتصال الأخير ذات الرنة الواحدة الوارد أتانا من المالديف. وتعرفون جمال المالديف. ومن دون تفكير سارعنا الى الإتصال. فتحنا الخط ولا مجيب فاستعدنا رشدنا وأقفلنا الخط في ثوان. الكلفة دولار واحد ربحه أحد مجرمي الإتصالات في العالم. مجرمو الإتصالات خبثاء يتصيدون البشر في كل مكان. وأجهزتنا الخلوية تمتلئ بأرقامهم. فما قصتهم؟ نعرف عنهم شيئاً ونجهل أشياء. سارعنا الى سؤال الخبير في الأمن السيبراني والتحول الرقمي والرئيس التنفيذي لشركة Revotips للإستشارات رولان أبي نجم فأتى جوابه: الموضوع ببساطة شديدة انهم يتصلون من خطوط دولية على أرقام، «ميس كول» ويقفلون الخط. احياناً لا ينتبه الإنسان الى طبيعة هذا النوع من الإتصالات فيعاود بدوره الإتصال بالرقم الفائت. يعتمد الخبثاء نفس أسلوب المسابقات التي تجرى للتصويت على مسابقات ملكات الجمال او ستار اكاديمي أو «إتصل واكسب». إنهم يتصلون بشريحة كبيرة من الأرقام، بمليون رقم مثلاً، وإذا أجاب او عاود الإتصال ألف من هؤلاء فقط، يفتح مجيب الصوت على ولا ولا شيء… والثانية تكبد المتصل كلفة دقيقة، وإذا طال الإنتظار يتحمل تكلفة تصاعدية». إنه ذكاء بشري شرير.

 

شكراً مارك

 

لكن، هل ذلك ممكن من دون أي محاسبة دولية؟ ألا يوجد من يقمع تماديهم في جرمهم؟ يجيب أبي نجم: «إنه «بيزنس»، مثله مثل أي بيزنس آخر معتمد حالياً في عيادات الأطباء – على سبيل المثال لا الحصر- حيث ما إن يرد مجيب الصوت حتى يتحمل المتصل كلفة إضافية. المحامون أيضا – أو لنقل بعضهم – يستخدمون مجيب الصوت هذا. الهاكرز يعتمدون نفس الأسلوب أيضاً وأيضاً لكن من خلال الإتصال بالناس وإقفال الخط وانتظار- بفارغ الصبر- عدد من يسقطون في شباكهم. لا حل لهذا النوع من الخداع. حتى في الواتساب كول موجود ذلك. ومنذ يومين أعلنت شركة الواتساب عن تحديثين جديدين من شأنهما إضافة المزيد من الخصوصية على نشاط المستخدمين للتطبيق العالمي وهما: حظر اتصالات المجهولين ورسائل البريد العشوائي الخادعة ومراجعة إعدادات الخصوصية. مارك زوكربيرغ يبحث عن حلول أما في المكالمات العادية فلا حلول ممكنة حتى اللحظة».

 

مجرمو الإتصالات متروكون على سجيتهم يلوّثون فضاء الإتصالات والحلول الممكنة – فقط- أن نعرف عنهم أكثر. فماذا في تفاصيل ما يحدث يا ترى؟ المكالمات الآلية الإفتراضية تحصل يومياً. راجعوا لائحة المتصلين بكم وستجدونها. والمكالمات الآلية غير المرغوب فيها – غير القانونية المخادعة – تشكل أهم شكوى من المستهلكين اليوم ولجنة الإتصالات الفيدرالية تتابعها بدقة. نصيحة المستشارين لنا: لا تجيبوا عليها. هي رنة واحدة غالباً فتجاهلوها وإذا تكررت. بلوك. وإذا ورد إليكم أكثر من إتصال من أكثر من كود دولي: قوموا بحظرها بالجملة. البلوك أسهل طريقة وتخلوا في هذا الموضوع عن فضولكم. تريدون حلّاً أفضل؟ احظروا كل الأرقام التي يمكن أن تصلكم من مقدونيا الشمالية مثلاً أو من توكيلاو النيوزيلندية أو من جزر أتافو وفاكاوفو ونوكونونو الإستوائية في المحيط الهادئ أو حتى من الجزائر… ما دامت لا علاقات لكم مع أحد فيها والإتصالات السوداء تصدر تكراراً منها. هو أحد الحلول الممكنة. عالمياً، من الممكن الإتصال بشركة الهاتف الخاصة بالمستهلكين لسؤالها عن أدوات حظر المكالمات غير المرغوبة والطلب منها التحقق من التطبيقات التي يمكنهم تنزيلها على أجهزتهم المحمولة لحظر المكالمات السوداء. هنا في لبنان هذا صعب فشركاتنا منهمكة برواتب العاملين فيها التي لا تجعل مدراءها – أنفسهم – يعون أكثر من حدود أنوفهم. حالهم حال. فما علينا نحن اللبنانيين إلا الإتكال على ذكائنا وأنفسنا.

 

«تنصيب» متعدد اللغات

 

«وانجيري»- بالإنكليزية wangiri- إحفظوا هذه الكلمة جيدا. يتعارف العالم على تحديد مكالمات الإحتيال بهذا الإسم حيث يترك المتصل مكالمة فائتة miscall أو رنة واحدة يقطع بعدها الإتصال، في محاولة لإغراء الطرف المغرر به على معاودة الإتصال وتحصيل رسوم منه. الملفت أن لكل بلاد (كبرى) تسميتها لهذا النوع من «التنصيب». في اليابان يستخدمون كلمة «وانجري» (one ring and cut) أما في كوريا فيستخدمون كلمة voice phishing أي الصوت الذي يصطاد الناس. وهنا، يستخدمون كلمة: أكلنا الضرب. في التفاصيل، يحرص مجرمو المكالمات السوداء على ألّا يرن الهاتف أكثر من مرة – او مرتين على أكثر تقدير- ما يؤدي الى عدم الردّ عليها من قبل المستلم. وتستخدم في هذا النوع من الإتصالات الآلة الصوتية، أي لا متصل ينقر مباشرة رقم هواتفكم. والسؤال الذي لا بُدّ يلوح في بالكم انتم: لماذا نحن؟ ببساطة، تؤخذ الأرقام عشوائياً وبالتالي لستم أنتم – شخصياً – في دائرة الإستهداف. فارتاحوا. إنه جرم عام.

 

من كل مكان

 

المكالمات الإحتيالية تأتي بأكثريتها من دول نامية، من موريتانيا وجزر القمر وتونس وبنغلادش وكينيا والجزائر ونيجيريا ودول المحيط الهادئ الصغيرة… لكن، هذا لا يعني أن المكالمات الإحتيالية حكر على المناطق النائية وأن كل مكالمة قد تأتينا من دول العالم الراقي… راقية. هناك أرقام سويسرية تتصل أيضا وروسية أيضا وأيضاً. أحد أولاد بعلبك وقع في المصيدة ويقول: «تأتيني إتصالات من أرقام أجنبية بشكل متكرر. وصلني البارحة بالذات إتصال من نيجيريا. أجبت فأقفل الخط. كررت الإتصال فلم يجب أحد. هو وقع مرتين في ثوان في المصيدة: أجاب على الإتصال وعاود الإتصال. لم ينتبه المواطن البقاعي الى المبلغ الذي سحب منه. ظنّ «أم تي سي» فعلت ذلك ورماها بشتيمتين رأى أنها تستحقهما. ولم يقتنع بسهولة أن شركة الإتصالات التي ينتمي إليها لا تسرقه ولا تسرق سواه – مثلها مثل شقيقتها ألفا – لكن ما حصل معه لا ذنب للإثنتين في ما حصل. لا يقتنع العموم – وخصوصا من هم في المقلب الثالث من العمر- بوجود هاكرز وقراصنة وسفلة وفاسدين في عالم الإتصالات العالمية أيضاً.

 

قصة الأرقام الفائتة قصة تردنا في اليوم القصير مرات ومرات. المعتدون هاتفياً لديهم كثير من الأفكار. هناك رسائل قصيرة ايضا وصلت الى عدد من الأشخاص فيها: أنا الأسقف أنطوان شربل طربيه. انا الآن في اجتماع ولا يمكنني التكلم لكن رجاء إجابتي برسالة حين تصلكم رسالتي. أطلب المساعدة منكم بشكل سريع. تحياتي. كثيرون سارعوا الى الإجابة على الأسقف ليتبين لاحقاً أنها رسائل نصية ملغومة. أبناء وبنات الأبرشية جرى تحذيرهم من ذلك بعد ان أكل منهم – من أكل – ضروب الإحتيال. تلقيتُ بدوري رسالة قصيرة عبر الواتساب من شخصٍ أعرفه تماماً يطلب مني إرسال رقم بطاقتي المصرفية لأنه يحتاج الى شراء شيء بسرعة وبطاقته ليست بحوزته. كان حسابه الواتساب قد تعرض الى خرق. ضروب الإحتيال لا تعدّ ولا تحصى. فبين أيدينا اليوم قنبلة قد تنفجر فينا في أي لحظة في حين نظن أننا في أمان.

 

ها هو الهاتف يرن رنة واحدة للتوّ. ثمة متصل من الرقم: 0094717990887. إنه من سريلانكا. قبله بقليل أتانا إتصال من الرقم: 00216272236155. إنه من الجمهورية التونسية. إننا في قبضة حفنة من المحتالين في العالم ونحن في بيوتنا. فرجاء إتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر كي لا تكونوا ضحايا هؤلاء، مجرمي الإتصالات، المقبلين.