IMLebanon

إعلان الحريري رسمياً عن دعم عون يخلط الأوراق

ت1 شهر القطوع الأخطر في تاريخ البلاد… وضبابية أقرب إلى «اللغز منها إلى الحيرة»

إعلان الحريري رسمياً عن دعم عون يخلط الأوراق

«سلّة» بري فخ لزعيم الرابية وسقف للتفاوض على كعكة السلطة

نيّة رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري بتبني خيار ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية جدّية ولا تدخل في سياق المناورة. تلك هي قناعة الحلفاء والخصوم على السواء، وهم يتصرّفون على هذا الأساس.

لم يزح «حزب الله» عن تكرار أن مَن يريد رئيساً للجمهورية إنهاءً للشغور في قصر بعبدا، فإن العنوان هو الجنرال عون. كان هذا الموقف، في نظر خصوم الحزب، الذريعة التي تلطّى وراءها طويلاً لإبقاء الفراغ في سدّة الرئاسة، بما يؤمّن له الإمساك بالملف الرئاسي وما يحوط به كورقة من أوراق إيران في المنطقة إلى أن يحين زمن التفاوض والتسويات الكبرى. وكان تعطيل اكتمال النصاب في مجلس النواب، في نظر التيار العوني، الطريق الأنجع التي يعتمدها «حزب الله» ترغيباً وترهيباً بفعل فائض قوة سلاحه، لضمان عدم وصول أي مرشح آخر، بحيث أضحت المعادلة: «عون أو الفراغ». معادلة ستدفع في نهاية الأمر المعترضين على مقلب 14 آذار إلى التسليم بها.

حين قلبَ رئيس حزب «القوات اللبنانية» الطاولة في وجه الحريري على خيار الأخير ترشيح النائب سليمان فرنجية للرئاسة، بالذهاب إلى تبني خيار عون مؤمّناً له غطاءً مسيحياً، ومعززاً حظوظه من باب «المرشح المسيحي الأقوى». خرج «حزب الله» ليقول لمن يعنيهم الأمر أن المطلوب هو أن يسير الحريري بخيار عون، وأن الذهاب إلى هذا الانتخاب من دون المكوّن السني من شأنه أن يؤول إلى استعار الصراع السني – الشيعي في البلاد، لأنه لن يتم إدراجه عندها في سياق العملية الديموقراطية، بل في إطار كسر السنّة في لبنان وما قد يحمله ذلك من مخاطر جدية داخلية ربطاً بالبعد العربي وتداعياته في ظل المواجهة المتأججة بين إيران والمملكة العربية السعودية.

اتشحت أنظار الحريري صوب الرابية بعدما سلك مساراً طويلاً من التحوّلات: من ترشيح رئيس حزب «القوات» سمير جعجع القطب المسيحي الأبرز في «14 آذار»، إلى طرح أمين الجميل عله يكون أكثر قبولاً، إلى معادلة الرئيس التوافقي، إلى الذهاب بالتسليم بمرشح من 8 آذار متبنياً سليمان فرنجية وصولاً إلى احتمال الذهاب لتبني خيار عون، مرشح «حزب الله» الأوحد ما دام مستمراً بخوض المعركة. لكن على الرغم من هذا التحوّل المحتمل، لا تبدو الأمور اليوم بهذه البساطة.

وبمعزل عن أسباب هكذا خطوة، والتي يرتبط جزء منها بالحاجة إلى إحداث خرق في جدار الأزمة السياسية والدستورية القاتلة مع ازدياد الإشارات غير المطمئنة اقتصادياً ومالياً لقدرة البلاد على الصمود طويلاً، جراء الاستنزاف المتعدد الأوجه، المثقل بأعباء النزوح السوري، وبالحصار الصامت المفروض عربياً، ولا سيما خليجياً على لبنان بفعل نأي حكومته عن التضامن العربي، فيما يرتبط الجزء الآخر بقراءة واقعية لوضعه السياسي والمالي والشعبي الذي أصيب بكثير من النكسات وصلت اليوم إلى حدها الأقصى والأقسى وسط «ضبابية أقرب إلى اللغز منها إلى الحيرة» في علاقاته مع المملكة، فإن حالاً من الترقب وحبس الأنفاس ترافق شهر تشرين الأول الذي يصفه مراقبون بشهر «القطوع السياسي الأخطر في البلاد»، قبل الوصول إلى الجلسة الرقم 46 التي حددها رئيس المجلس لانتخاب الرئيس العتيد، انطلاقاً من التساؤل حول مدى قدرة الأطراف على التوافق لصوغ تفاهمات متكاملة تسهّل وصول عون إلى الرئاسة. الأكيد أن ما بعد 31 تشرين الأول لن يكون كما قبله إذا لم تتم عملية الانتخاب. إنها تُشكّل على الأرجح، ووفق متابعين لمجريات الحركة العونية، الفرصة الأخيرة لجنرال الرابية، وانسداد الأفق يعني عملياً نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة مفتوحة على احتمالات غير واضحة المعالِم، ليس فقط من منظور العونيين، بل من منظور مختلف الأطراف لما ستتركه من نتائج وتداعيات على المشهد الداخلي، وعلى علاقات الأطراف بعضها مع بعض.

في القراءة الراهنة، أن الحريري بالدينامية التي خلقها مع تحريكه الملف الرئاسي بفتح الباب أمام احتمال تبني عون، مع ما ترافق من نقاشات في العمق جرت على خط عون – الحريري بواسطة المعاونين، قد سحب فتيل التأجيج الطائفي المسيحي – السني الذي عزف على وتره «التيار الوطني الحر»، سواء بقرار واعٍ منه أو مدفوعاً إليه غير متنبه للمخاطرة، لكنها دينامية كشفت مدى تعقّد الأزمة السياسية. والخشية  لدى اللاعبين المحليين تكمن راهناً من إقدام الحريري على الإعلان رسمياً عن تبني خيار عون، إذ أن بقاء الأمر في إطار الخيارات التي يتم درسها، وفي مداولات الصالونات السياسية يترك هامشاً واسعاً من المناورة لدى الجميع، فيما الإعلان الرسمي من شأنه أن يضع الجميع أمام لحظة الحقيقة، ويخلط الأوراق، والأهم يضيق ليس فقط هامش المناورة بل عملية الابتزاز السياسي، التي برزت بقوة مع طرح بري أن مرشحه هو «السلة» بما تتضمنه من تفاهمات على الحكومة ورئيسها والحقائب والتعيينات، وقبل كل هذا، الاتفاق على قانون للانتخابات النيابية، يأتي في نهايتها انتخاب رئيس لا يعود مهماً اسمه.

طرحْ «السلة»، وإن يُدرجه عارفون ببري أنه يحمل في طياته أهدافاً متدرّجة، يبدأ بالسعي لإبعاد وصول عون عن الرئاسة، ذلك أن المسألة لا تتعلق فقط بفقدان الكيمياء بين الرجلين، بل بانعدام الثقة به انطلاقاً من تجاربه السابقة. أما إذا بدا أن فرص الجنرال ماضية بالارتفاع، فإن التمسّك بطرح «السلة» من شأنه أن يُصعّب من احتمالات إنجازها في رهان على شخصية الرجل غير المرنة في صوغ التسويات والتي هي في جزء كبير خارج سياق الدستور وتأكل من صلاحياته، وإذا مرّ في الامتحان – الفخ، فعندها يكون بري قد أمّن سقفاً أعلى للتفاوض على المكاسب في كعكة السلطة.

لكن ذلك لن يكون فقط حال الجنرال، بل أن الأمر سينسحب على الحريري بوصفه مرشحاً لرئاسة الحكومة الأولى وما سيليها من حكومات ما بعد الانتخابات النيابية، وعليه تالياً أن يقدّم الضمانات المطلوبة من «الثلث المعطل» إلى الحقائب، إلى البيان الوزاري ومعادلة «الجيش والشعب والمقاومة» إلى «سياسة لبنان الخارجية».

السؤال عما إذا كانت ستفعل «السلة» فعلها في دفعه إلى تقديم تنازلات تحت عنوان تجميلي هو نزع الصواعق أمام رئيس العهد الجديد وتأمين التناغم والتوافق من أجل إدارة المرحلة المقبلة في البلاد، والتي هي عملياً مرحلة أشهر يُرسم لها أن تكون فاصلة عن موعد الانتخابات النيابية التي من شأنها أن تُعيد إنتاج الطبقة السياسية بموازين قوى يبدو الرهان على أنها ستكون مختلفة عما حملته الانتخابات الماضية، ومعه لا شيء يضمن من ظهور لغة التبدّلات في الأحجام وما يجب أن يستتبعها من تعديلات على التفاهمات وحنث بالوعود. فالتجربة لا تزال ماثلة في الأذهان وهي قد تتكرر، وعندها قد يكون الحريري وقع في «فخٍ مُحكم»، ولا سيما أن كل ذلك يترافق مع سؤال محوري يُطرح في الكواليس السياسية ويتمثل في ماهية الموقف الفعلي للمملكة العربية السعودية!