IMLebanon

إستغلال السيادة الوطنيّة والوطن الجديد

 

 

إنّ متابعة خطاب منظّمة «حزب الله» من الناحية الدستورية، باتت ذات أهميّة قصوى لاستشراف خارطة الطريق التي تعمل وفقها هذه المنظمة. فبنهاية المطاف، هذا المسار الدؤوب من العمل الذي دخل عقده الرابع قد أينع وحان زمن القطاف. وهذا ما حاول قوله في حديثه النائب الدكتور محمد رعد عن طبيعة وهوية الرئيس الذي تريده هذه المنظمة التي لن تقبل برئيس جمهورية إلا بعد أن»يعتَرفَ بدورِ المقاومةِ في حمايةِ السِّيادةِ الوطنيَّةِ». فهل انتقلت هذه المنظمة إلى مواقع متقدّمة في خطة سيطرتها على الدولة اللبنانية؟ وهل وضعت في ميزان المفاوضات ما بعد الترسيميّة التعديلات الدستورية في الجمهورية المرتقبة؟

 

مما لا شكّ فيه أنّ المعادلة الرئاسيّة اليوم هي التي ستفرض هوية لبنان الغد. من هذا المنطلق، لا يبدو أن أحد الأفرقاء السياسيّين مستعد للتنازل عمّا حققه ممّا يعتبره إنجازات خالصة لفريقه؛ والإنجاز الأهمّ الذي تعتبره سلطة إيران في لبنان هو سيطرتها على مفاصل الدولة الدستورية بسلطاتها الثلاث؛ وهذا ما أكّده دولة الرئيس نبيه بري بتذكيره النائب سامي الجميّل، ردّاً على مداخلة طلب فيها الجميّل أن تكون الكتل النيابية كافّة ممثلة داخل اللجان توافقيًّا: فأجابه دولة الرئيس حرفيًّا: «عرضنا عليكم التوافق ولم تقبلوا، وأصررتم على الانتخابات. وكانت النتيجة. ولسنا هنا لنزايد بعضنا على بعض». وختم برّي سائلاً الجميّل: «قولوا لنا من هي الاكثرية في المجلس؟».

 

يأتي هذا الكلام ترجمة «للنشوة الترسيميّة» التي يشعر بها هذا الفريق بعدما بات هو نفسه مسنِداً ظهره إلى جدار بايدن- ماكرون. مع العلم أن قضية الترسيم قد بُدِئَ العمل عليها منذ أكثر من 10 سنوات، ومَن كان يُعتبَرُ حينها عدوّاً وشيطاناً أكبر بات اليوم ضامناً لبقائه في السلطة.

 

لذلك، يسعى هذا الفريق للسيطرة على الدولة بالكامل؛ وهذه السيطرة لن تكون بالعسكر، بل بالمؤسسات، لأنّه أيقن تماماً أنّ الدول لا تعترف إلا بالمؤسّسات التي وحدها ستضمن له شرعيّة وجوده إن أمّن هو مصالح المجتمع الدّولي. وهو يدرك أنّه لن يستطيع تقديم ضمانات دولية إن لم يكن هو الدولة بالمطلق، لذلك بدأ الحديث اليوم بالموضوع السيادي لأنّه أيقن أنّ المجتمع الدّولي لن يسمح باستمراره إن لم يقضم السيادة بالكامل.

 

إزاء ذلك كلّه، تبقى الإشكالية المطروحة حول ما يقوم به الفريق السيادي في مواجهة هذا المشروع الذي بات واضحاً. والتساؤل الكبير اليوم هو في جدوى وفعالية المواجهة السياسيّة لسلاح هذا الفريق غير الشرعي والذي فقد الاجماع الوطني حوله وحول هويّته ووجهته. وعاجلاً أم آجلاً هذا المسار المواجهاتي سيوصل إلى قناعة مفادها بطلان المواجهة الدّستوريّة تحت سقف السلاح.

 

ولعلّ هذه هي المواجهة التي تريدها منظمة «حزب الله» المصنفة إرهابية في اكثر من 27 بلداً في العالم. لأنّ المواجهة السياسية غالباً ما كانت نتائجها محدودة بوجود السلاح غير الشرعي الذي اكتسب بعد مفاوضات الترسيم نوعاً من الاعتراف الدولي بدوره، لأنّه نجح في تحقيق مكاسب إقتصاديّة لهذا المجتمع.

 

لكن الإشكالية الأكبر تكمن في الحفاظ على روحية هذه المواجهة، بغضّ النظر عن طبيعتها وعدم الاستسلام لأمر واقع نجح هذا الفريق بفرضه نتيجة للمتغيّرات الدولية التي تبقى عرضةً للتقلّبات في أيّ لحظة. من هنا، المطلوب الانتقال إلى ضغط نيابي دستوريّ وشعبيّ يتزامن مع الأزمة الرئاسيّة بهدف الدّفع نحو مؤتمر دوليّ حقيقيّ حول لبنان. وعلى بكركي في هذا السياق أن تلعب الدّور الأبرز، لأنّ البطريرك الراعي هو أوّل مَن طالب بهذا المؤتمر لدعم لبنان بهدف إقرار مشروع الحياد الناشط والايجابي الذي اقترحه هو شخصيّاً منذ قرابة العامين. ‏وذلك قبل أن تنجح منظمتا «حزب الله» في لبنان و»الحرس الثوري» في إيران بتقديم المزيد من الضمانات التي قد تؤول لليمين المتطرّف في دولة العدو بعد ازدياد احتمال فوزه في الانتخابات التشريعية المرتقبة في أوائل تشرين الثاني المقبل.

 

وفي هذا الإطار، تأتي عملية استثمار العلاقات الدولية من خلال المصالح المشتركة للأوروبيين والأميركيين في قضية النفط والغاز في شرق المتوسط، ما يدلّ على أنّ «حزب الله» سيستنفد من هذه المؤشرات حتى اللحظة الاخيرة، وذلك تفادياً لما قد يقدم عليه نتنياهو، حيث يلوّح هذا الأخير بإمكانيّة إلغاء هذا الاتّفاق الذي يعتبره مذلاً لدولته.

 

من هنا، قد يذهب «حزب الله» إلى تبني مرشح رئاسي في اللحظات الأخيرة ينال حظوةً عند المجتمع الدولي، فضلاً عن عدم قدرة الأفرقاء اللبنانيين على رفضه، لأنّه لا يحمل أي لوثة فساد؛ وليس لديه أي انتماء معلن لأيٍّ من محوري النزاع. وعندها يكون قد سدّد ضربة قاتلة للفريق السيادي الذي ما زال متمسّكاً بقواعد اللعبة الدستورية من خلال العمل على زيادة وزنه التمثيلي الداخلي. وهذا ما حقّقه ولكن سطوة السلاح منعته من ترجمته عمليّاً. ولا يمكن لهذا الفريق انتظار المتغيّرات الخارجيّة لأنّه لا يملك شيئاً ليتنازل عنه على مذبح المفاوضات الدّوليّة؛ بعكس فريق سلطة إيران في لبنان الذي بات مستعدّاً للتنازل عن كلّ مقدّراته شرط أن يبقى في الحكم.

 

آن الأوان لاستبدال المواجهة في الأطر المحليّة التي تمّ تقويضها بنجاح من قبل سلطة إيران وعملائها. ويجب الانتقال إلى توحيد الرؤية الاستراتيجيّة أولاً من خلال التأسيس لجبهة وطنيّة جامعة للبنانيّين كلّهم، للتوصّل ثانياً إلى عقد مؤتمر دولي يثبّت الصيغة والهويّة والكيانيّة اللبنانيّة، وثالثاً على أن يكون ذلك في نظام سياسيٍّ حديث ومتطوّرٍ قاعدته الأساسيّة اتّحاديّة لامركزيّة أو فدراليّة، إن حسم فريق إيران وعملاؤه وجودهم في صلب الكيانيّة اللبنانيّة، أو انفصاليّة كونفدراليّة لا تقسيميّة، إن قرّر هذا الفريق ومن معه، كما ردّدوا دائماً أن يعيشوا قناعاتهم كما يريدون في وطن جديد.