IMLebanon

بشارة مريم… عيد التلاقي: ما يَجمعنا أكثر ممّا يُفرّقنا

يَحتفل لبنان بجناحيه المسلم والمسيحي بمحطة وطنية دينية جامعة، عيد بشارة السيّدة مريم. تكتسب هذه المناسبة نكهة مغايرة، وسط الأخطار المحدقة في لبنان، وفراغ رئاسي يشارف عامه الثاني، وتَخبّط المنطقة بأزمات وهجمات إرهابية. السيّدة مريم العذراء التي لها مكانتُها في الإنجيل والقرآن، جَعلت مِن تلاقي المسيحية والإسلام أكثرَ من حدث أو موعد سنوي، فإذا هو حصنٌ منيع في وجه كلّ مَن يحاول دقَّ إسفين في نعش الوطن.

هي للمسافرين مرافِقة، وللبعيدين حافظة، وللضالّين مرشدة، هي السيّدة العذراء، حوّاء الجديدة، أمّ البشرية، التي يتحلّق حولها اليوم المؤمنون مسيحيّين ومسلمين لتكريمها بترانيم روحية، تأمّلات، آيات قرآنية… . في هذا السياق يوضح أمين اللقاء الإسلامي- المسيحي القاضي الشيخ محمد النقري عن مريم في الإسلام: «تحدّثَ القرآن الكريم عن المسيح عليه السلام وأمِّه، ورفعَ مِن شأنهما وجعلَ مريم أفضلَ نساء العالمين على الإطلاق، وكرّمها بأنْ أفرَد سورةً كاملة باسمها، حيث لم يأتِ على اسم أيّ امرأة مطلقاً بين دفّتَي المصحف، كما ذكر قصّة بشارتِها بالنص والتفصيل. رغم هذا الوضوح في الرؤيا القرآنية إلّا أنّه لم تكن هناك خطوات عملية للتقارب بين الديانتين».

وتوقّف النقري عند تعلّقِ المؤمنين بمريم قائلاً: «إصطفى الله مريم على نساء العالمين، فهي تعني المسلمين والمسيحيين وغيرهم على حدّ سواء. وإنْ كان إسم مريم يَعني سيّدة البحار وأنّ البحار تغطّي ثلاثة أرباع الأرض، فإنّ أتباع مريم والمؤمنين بها من مسلمين ومسيحيين يغطّون ثلاثة أرباع اليابسة، فيكون ذلك مصداقاً لِما جاء في القرآن الكريم: (يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهّرَك واصطفاك على نساء العالمين).

مِن أين انطلقت الفكرة؟

ويوضح النقري: «كنتُ أركّز أثناءَ محاضراتي في فرنسا على أهمّية مريم في الإسلام وعلى أنّه لا يوجد ما يَمنع أن يجتمع المسلمون والمسيحيون في لقاء مشترَك ليُحيوا ذكراها ويَذكروا سيرتها.

ومِن هنا كان تأكيدي بأنّ المسلمين والمسيحيين يستطيعون الاجتماع في لقاء تَحتفل به الكنيسة الكاثوليكية يوم 8 كانون الأوّل من كلّ سَنة، وهو يخصّ عقيدةَ الحبَل بلا دنس، ثمّ نظراً لعدم اجتماع المسيحيين على هذه العقيدة، فقد اقترحت أن يكون هذا اللقاء هو يوم 25 آذار يوم بشارة السيّدة العذراء، (الذي نُقل هذا العام لتزامنِه مع الجمعة العظيمة، إلى 4 نيسان)».

ويتابع: «بَعد عودتي النهائية إلى لبنان دُعيتُ لإلقاء محاضرة في مدرسة الجمهور، وبَعد الانتهاء منها خاطبَني ناجي خوري أمين عام قدامى الجمهور قائلاً: هل نستطيع مسلمين ومسيحيين الالتقاءَ معاً في صلاة مشتركة (صلاة بمعنى الدعاء)؟

فقلت له: ما في غير مريم بتِجمعنا. وهنا أخبَرني عن رؤيا كان يراها دائماً بأنّ مسلمين ومسيحيين يجتمعون داخل خيمة واحدة للصلاة وأنظارُهم شاخصة إلى فتحة في أعلى الخيمة مطلّة على السماء وأنّه هو داخل هذه الخيمة في حركة دائمة لتنظيم هذا اللقاء، مِن هنا انطلقَت فكرة عيد البشارة ونظّم ناجي احتفالاتها منذ 2007 بدقّة متناهية».

بداية الأمر لم تُضَف هذه المناسبة إلى سِجلّ الأعياد الوطنية، وبعد عملٍ دؤوب مشترَك بين النقري وخوري، وتحديداً في إحدى مداخلات النقري في احتفالات البشارة طلبَ مِن هيئة الحوار الوطني بشخص أمينَيها العامَّين محمد السمّاك وحارس شهاب «أن ينقلا إلى الحكومة اللبنانية مطلبنا بأن تكون هذه المناسبة مناسبةً وطنية جامعة، وهكذا تحقّقت هذه الأمنية، وحَملها الرئيس سعد الحريري معه إلى الفاتيكان وأعلنَها من هناك أنّ الحكومة اللبنانية وافقَت، بجميع وزرائها، على أن تكون البشارة عيداً وطنياً جامعاً للمسلمين والمسيحيين، ويومَ عطلة رسمية».

في وجه الإرهاب

لا ينكِر النقري أنّ لبشارة مريم خصوصية معيّنة، فقال: «دعوتُ في محاضراتي إلى أن يحتفل المسلمون والمسيحيون بذكرى البشارة كعيد وطني وليس دينياً، باعتبار أنّ البشارة لها طقوسها الليتورجية الخاصة بها، وأمّا احتفالنا فليس فيه طقوس دينية ولا نجتمع إلّا على ما يَجمعنا، ولا نريد أن نصنع طقوساً جديدة».

وعمّا يميّز الاحتفال هذه السنة عن نظيراتها، يقول النقري: «هذه السَنة سيكون للاحتفال بُعدٌ إضافيّ نظراً للظروف التي تمرّ بها المنطقة وللهَجمات الإجرامية والإرهابية التي تقوم بها بعض المجموعات المسلّحة التي تدَّعي الانتماء إلى الإسلام. فيكون احتفالنا تأكيداً على ترابطِنا الإسلامي – المسيحي في لبنان ورسالةً إلى الغرب بأنّنا معهم ضد مكافحة الإرهاب الذي لا يميّز بين مسلِم ومسيحي أو آخر».

أمّا بالنسبة إلى أبرز ما سيتضمّنه احتفال اليوم، فيوضح النقري: «سيتضمّن كلمة لمفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان وكلمة لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأردني، إضافةً إلى أناشيد نبَوية إسلامية وترانيم مسيحية ومعزوفات موسيقية دينية».

تجديد الشراكة

من جهته، يَعتبر النائب البطريركي العام المطران بولس صيّاح «أنّ عيد بشارة مريم مناسبة لتجديد روح الميثاق، لحظة قرّر المسلم والمسيحي العيشَ معاً في هذا البلد، ضمن احترام متبادل»، مثمِّناً «الشراكة في تكريم مريم».

ويتوقّف صيّاح عند موقع العذراء في المسيحية، قائلاً: «بشارة مريم في المسيحية حدثٌ محوريّ في مسيرة الخلاص، نَعتبر كلَّ ما قبل المسيح كان ليهيّئ لمجيئه، وكلّ شيء بَعده هو لنشر رسالة المسيح». ويضيف: «وفي الإسلام لمريم موقعٌ مهِم، فهذا التلاقي معاً هو مظهر من مظاهر العيش والعمل معاً وتجديد العهد».

زحمة إحتفالات في بكركي

ولا يدّعي صيّاح «أنّ هذا التلاقي كفيل في حلّ مختلف الأمور الشائكة»، قائلاً: «لا نريد أن نكذب على بعضنا، طبعاً لن تُحلّ كل المشاكل. ولكن عندما نحتفل معاً بشيء جدُّ مهمّ لكِلا الطرفين، يعني أنّه لدينا الإرادة القوية لنمضي الحياة معاً»، مشيراً إلى أنّه «ضمن العائلة الواحدة قد تقع مشكلات، المهمّ الإرادة أن تبقى موجودة، فالشراكة لا تكون في الكلام، ولا في التمنّيات، إنّما تتبلوَر بالإرادة الصلبة على الأرض بكلّ ما يَخدم البلد».

وفي هذا السياق، يَلفت صيّاح إلى أنّ هذه المناسبة متعدّدة المناسبات، قائلاً: «غداً (اليوم) عيد إسم سيّدنا البطريرك الراعي، وذكرى توَلّيه السدّة البطريركية، لذا سنحتفل بالذبيحة الإلهية عند العاشرة صباحاً، وسيشارك جميع المطارنة، ويليها قمّة روحية مسيحية بين البطاركة والرؤساء الروحيين، ومِن ثمّ مأدبة غذاء». ويؤكد صيّاح حرصِه على أن لا «يكون العيد شكليّاً، إنّما تجسيداً لإرادة العيش والشراكة على الأرض، على نحو يُظهر وجه لبنان الحقيقي».

في الختام، أمضَت العذراء مريم القسم الأكبر من حياتها «تحفَظ»، «تفكّر»، «تتأمّل»، واليوم أكثر من عطلة رسمية، فرصة لنكون على خطى أمّنا مريم.