خطورة الوضع في لبنان تتجاوز كلّ ما يمكن تصوّره من سيناريوات. ولا شيء يضاعف هذه الخطورة أكثر من التصرّف كأنها مجرّد أزمة سلاح خارج الشرعية يتمرّد على قرارات شرعية. وأسوأ ما في المأزق هو محاولات إغراق المخاطر بنوع من جدل البديهيات الذي ليس سوى تمارين في العبث. لكن هذا العبث هو من دم وتدمير وتهجير واحتلال وفقر وانحلال السلطة. وهذا الجدل يتجاهل الواقع ويطرح موضوعًا نظريًا لا خلاف عليه، لا في الكتب ولا في الممارسة: الحق في مقاومة الاحتلال. غير أن السؤال الذي لا مهرب منه هو: أية مقاومة، وما الذي قاد إلى عودة الاحتلال بعد تحرير الجنوب عام 2000 وإقامة “عيد المقاومة والتحرير” الذي دخل روزنامة الأعياد الرسمية يوم 25 أيار من كل عام؟
ما كان مغطّى بشعارات وطنية صار لعبة مكشوفة بالكامل عنوانها لبنان “الإيراني”. “حزب اللّه” فصيل في الحرس الثوري مع الحشد الشعبي في العراق والحوثيين في صنعاء. و”محور المقاومة” هو اسم مستعار لفصائل أيديولوجية مذهبية مسلّحة مرتبطة بـ “فيلق القدس” للدفاع عن الجمهورية الإسلامية والعمل من أجل المشروع الإقليمي الإيراني. لا بل إن ضباط الحرس الثوري يديرون بشكل مباشر عمليات “محور المقاومة” ويعلنون أنها منسقة مع العملیات الإيرانية في مواجهة الحرب الأميركية – الإسرائيلية. واللعبة واحدة: الإمساك بالمكوّنات الشيعية في البلدان العربية والإيحاء لها أن سلاح الفصائل هو لحمايتها وضمان موقعها من النظام كما هو للدفاع عن الجمهورية الإسلامية.
والأحداث لا تزال طازجة وبشكل خاص بعد عملية “طوفان الأقصى ” على يد حركة “حماس” وما أحدثته من زلزال في إسرائيل التي اندفعت لتدمير غزة. “حزب اللّه” بدأ “حرب الإسناد” لغزة في اليوم التالي، ورفض وقف النار هنا بمعزل عن وقف النار هناك. ثمّ اضطرّ إلى قبول “وقف الأعمال العدائية” على الرغم من استمرار إسرائيل في حرب الإبادة على القطاع. والحصيلة هي عودة الاحتلال الإسرائيلي إلى أجزاء من الجنوب. والحرب المشتركة مع إيران قادت، حتى الآن على الرغم من قصف إسرائيل بالصواريخ والمسيّرات، إلى توسيع أماكن الاحتلال على طريق الوصول إلى نهر الليطاني.
والمشهد مخيف من حولنا، بصرف النظر عن أطماع إسرائيل التاريخية بمصادر المياه في لبنان. هذا الاحتلال جاء بسبب هذه المقاومة. والمعادلة في الوضع اللبناني، على افتراض أنه مفصول عن حرب إيران، هي: الاحتلال يعطي مبرّرًا للمقاومة وسلاحها. والمقاومة تعطي مبرّرًا للاحتلال والقصف. والمعادلة مع الارتباط الكامل بحرب إيران هي: لبنان على الهامش في حرب مفروضة عليه ولا أحد يعرف حدود دوره بعد الحرب، وإيران تستخدم لبنان كملعب عبر “حزب اللّه” وتمسك به كورقة في أية مفاوضات. كأن المطلوب احتلال للحفاظ على سلاح “حزب اللّه” باسم المقاومة.
وكما في إيران كذلك في لبنان. الأولوية القصوى هناك للحفاظ على نظام الملالي، ولو خسرت إیران مصادر القوة والاقتصاد ولم يبق حجر على حجر. والأولوية عند “حزب اللّه” هي للاحتفاظ بالسلاح، ولو تهدّم لبنان واتسع الاحتلال حيث تكبر مبرّرات مقاومته. ولا يبدّل في الأمر واقع العجز عن الردع وعن حماية الشيعة ومنع تهجيرهم وانهيار البلد وجوع الناس الباقين، قبل الكلام عن التحرير. ومن الوهم التصرّف كأن “حزب اللّه” هو “الفرقة الناجية” إذا انهار لبنان. والوهم الأكبر هو المسارعة إلى تصوّر “النصر” وسط ضجيج الصواريخ والطائرات، وتجاهل الصورة الإسرائيلية التي يعبر عنها إيال زايسر حول “الحدود الجديدة” لإسرائيل في الجنوب اللبناني والجنوب السوري وغزة والضفة.
و “لا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه” كما قال الإمام علي.