IMLebanon

في يومهنّ العالمي… لتحرير الفتيات من الموروثات

 

مرّت أشهر على حمل جاكلين. هي تتوجّه اليوم برفقة زوجها إلى عيادة طبيبها، وقلبها يخفق. لقد وعدها أن يحدّد لها جنسَ الجنين. هل تحمل فتاةً أم صبيّاً؟

هذه المسألة تشغل العائلة برمّتها. والدة جاكلين تُحاول إخفاء رغبتها برزاق ابنتها بصبي وتقول: «خِلقة كاملة نعمة زايدة»، أما حماتها، ففي حالة ترقّب مريبة. يصل الثنائي إلى عيادة الطبيب ويوافيهما أخوها المصرّ على أن يكون أول العالمين بالنبأ. هو وزوجها لا يتفوّهان بكلمة بل ينتظران إعلان الطبيب المصيري.

إنها فتاة!، يقول الطبيب لجاكلين. هي تبتسم، ولكن مَن يجب أن يكونا أوّلي المُهنِّئين لها وأوّلي المهنَّئين من قبل الغير تكفهرّ وجوههم. يغادر أخوها صالة الانتظار في العيادة على عجل وكأنه سمع نبأً خطيراً، بينما يراوح زوجها مكانه وكأنّ لسانه انربط وأتى من مسمّر رجليه في الأرض تحته! لا يتفوّه بكلمة ومشاعر عدم الرضا تسيطر عليه. كان يتمنّى لو أنّ الطفل المُنتظر صبي!

هذا المشهد يتواتر في كثير من المجتمعات والعائلات من حول العالم، الفقيرة والغنية، العربية والأجنبية، المتقدّمة والرجعية، المتعلّمة والجاهلة… ولكن بدرجات متفاوتة. كلّ التطور الذي اجتاح العالم في السنوات الماضية لم يتمكن بعد من تحرير الفتاة من الصورة النمطية التي جعلت منها انساناً من الدرجة الثانية، يتمنى الجميع وحتّى بنات جنسها عدم قدومها إلى هذه الدنيا.

في اليوم العالمي

يصادف اليوم العالمي للفتاة في 11 تشرين الأول من كل عام. يضيء هذا اليوم على حاجات الفتيات من حول العالم والتحديات التي تواجههنّ، كما يدعو إلى تمكين النساء ويدعم استقلاليتهن وممارستهنّ حقوقهنّ الأساسية.

تؤكد الكثير من الدراسات أن النساء يعادلن الرجال ذكاءً وربما يتفوقن عليهم، إلا أنّ الموروثات الثقافية كبّلت المرأة وحجّمتها، وقد جعلت المجتمعات هدف حياتها فقط الزواج وتربية الأولاد. قمعها بالـ»عيب» سهّل على الرجل السيطرة على كلّ مفاصل الحياة. فلطالما كان أكثر تعلّماً وتقدّماً ولطالما شجّعه أهله على التطوّر وعيش المغامرات بينما أسروها بالممنوعات لتنتظر فقط مَن يأتي «ليطلب يدها» للزواج.

هذا الواقع تغيّر بعض الشيء في مجتمعنا إلّا أنّ رواسبه لازالت قائمة وطريق بلوغ النساء المساواة مع الرجال لا زال طويلاً، وهو ما تطمح الأمم المتحدة إلى تحقيقه بحلول العام 2030، إذ ينصّ الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة على «تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات»، واللائحة تطول في سبيل النجاح.

يبدأ التمييز ضد الفتاة قبل أن تبصر النور حتّى، حين يستقبل البعض بناتهم بغصّة لدى مجيئهن إلى الحياة، بينما يشجّع آخرون الزوجات على الإنجاب إلى حين الرزاق بصبي، وكم من عائلة أنجبت أكثر من 6 بنات آملةً بالصبي في كلّ حمل ولم يأتِ! وبعد أن تبصر الفتاة النور يبدأون بتكبيلها بالموروثات.

غالباً ما لا تحظى بفرص تعليم متساوية إذ يشجّعون الصبي على أن يصبح طبيباً ومهندساً بينما يحثّونها لأن تصبح مربية…
وهي تتقاضى أجراً أقل للعمل والكفاءة ذاتهما… وفي نظرة من حول العالم تكشف أرقام الأمم المتحدة أنّ مُراهقة من أصل 7 في العالم تُزوَّج وهي بين عمر 15 و19 عاماً، ويبلغ عدد النساء المتزوِّجات قبل بلوغهن سن الرشد أكثر من 47 ألف فتاة عالمياً، وذلك يعرّضهن للعنف الجسدي والجنسي ويحرمهنّ التعليم ويحمّلهن مسؤوليات جسام. وتنجب كلّ يوم في البلدان النامية أكثر من 20 ألف فتاة عمرهنّ أقل من 18 عاماً.

المجتمعات تنظر للصبيان على أنهم مورد مالي للعائلة واستثمار جيّد، وللبنات على أنهنّ عبء مادي، وتكمن المشكلة بالتخلّص منهنّ من خلال تزويجهن، بدل تمكينهن وتعليمهن ومنحهن فرص التطوّر والعمل وجني المال.

أمّا وإن أيقن أهلها أهمية تعليمها ونالت درجة جامعية، لن تتقاضى نفس راتب الرجل لنفس الكفاءة والاختصاص، فالفروقات في الرواتب بين النساء والرجال تطال البائعة في متجر كما تطال نجمات هوليوود الشهيرات والإعلاميات ذائعات الصيت. ولا تمنح حكومات كثيرة النساء دوام عمل مرن ليتمكنّ من متابعة نشاطهن المهني بعد إنجاب الأولاد.

ولهذه الأسباب والكثير سواها تؤكّد الأمم المتحدة أنّ «الفقر مؤنّث». هذا ناهيك عن سيطرة الرجال على المناصب السياسية والإدارية من حول العالم إلى حدٍّ لافت.

وعندما يرى الأهل أحد مظاهر التمييز ضد الفتاة في المجتمع نسمعهم غالباً يقولون: «شفتوا ليش بيزعلوا من البنت بس تخلق؟»!.

آن أوانُ التغيير

لم يعد يخفى على أحد أنّ الفتاة إنسان مثل الصبي ولكن تكبيلها بالموروثات القديمة حدّ من قدراتها عبر العصور، فلو تركوا الفتيات يقمن بما هنّ قادرات على القيام به دون تحجيمهنّ بشتّى المعوقات الموروثة لتبدّل وجهُ الكرة الأرضية، ورأينا النساءَ سياسيات ومخترعات وعالمات ومديرات، يتبوأن أعلى المناصب… ولما كانت النساء تشكّلن 50 في المئة من اليد العاملة في المجال الزراعي من حول العالم ولا تملكن سوى 1 في المئة من الأراضي الزراعية، إذ لا يتمّ توريثهنّ!

يدرك العالم يوماً بعد يوم أنّ الأسباب التي دفعت المجتمع إلى كره الفتيات وتصعيب حياتهنّ، المجتمع هو بنفسه خلقها، جراء عادات وتقاليد يكفي بعض الوعي لكسرها. فلمَ لا تُعطى الفتاة فرص تعليم متساوية، وفرص السفر للتعلّم في الخارج، وفرص نيل أجرٍ متساوٍ مع الرجل لنفس العلم والكفاءة ولمَ لا تُمنح حرّيتها، ولماذا دأبوا على حجزها في المنزل خوفاً عليها بدل إرساء قوانين تحميها.

لم يعد العالم يعيش في زواريب الجهل التي احتجزته لقرون مرّت، ولكن مهما تطوّر وضع النساء لا زلن يحتجن إلى الكثير قبل أن يتوقف الاحتفال باليوم العالمي للفتاة بالنُواح على مطالب لم تُحقّق بعد.