IMLebanon

إيران ستقاتل وحيدة: عَليَّ وعلى أعدائي!

 

ينبغي التعمّق في جولة وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون على عواصم إقليمية محدّدة، والجولات المكوكية التي يجريها مساعده ديفيد ساترفيلد بين بيروت وتل أبيب. فالرجلان يستعيدان زخم الخارجية الأميركية، بعد مرحلة طغى فيها دور الموفد الرئاسي جاريد كوشنر، ومعهما مفاتيح أميركية للدخول إلى نزاعات وتسويات آتية إلى الشرق الأوسط.

السياق الذي يتحرّك فيه ساترفيلد لمعالجة الخلاف اللبناني – الإسرائيلي حول خط النفط والغاز دقيق جداً، لأنه يتزامن مع تَحوُّلات مصيرية في ملفات الشرق الأوسط، لا بدّ من أن تكون قد استحوذت على جانب مُهمّ من محادثات تيلرسون:

– في القاهرة، دور مصر الحيوي في الملف الفلسطيني، سواءٌ في المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية أو في الرقعة الجغرافية التي ستنشأ عليها منطقة الحكم الذاتي، والتي يتردّد أنّ مركزها غزة، وربما جزء من سيناء.

– في الكويت، حيث انعقد مؤتمر دعم العراق، تمّ إرضاء الحكومة العراقية لإقناعها بالمخارج المرتقبة للتسوية في سوريا، بعد إرضائها بإحباط المسعى إلى استقلال كردستان العراق.

– في عَمّان، محادثات حول الدور الأردني في الملف الفلسطيني وفي سوريا على حدّ سواء.

– في أنقرة، إقناع الأتراك بمقايضةٍ في الموضوع السوري شبيهة بالمقايضة مع العراق، مع إرضائهم باستمرار نفوذهم على بعضٍ من سوريا.

– وفي بيروت، جسّ نبض لمستقبل دور «حزب الله»، خصوصاً بعد الانتخابات، ولموقع لبنان الإقليمي: في أيّ محور إقليمي سيكون لبنان، ومَن سيضبط حدوده مع إسرائيل؟

وفي خضم كل هذه المحادثات، يأخذ ملف النازحين السوريين والفلسطينيين مكانةً أساسية، نظراً إلى ما يمثّله في المعادلة الديموغرافية والجغرافيّة التي سيُبنى عليها الشرق الأوسط في المراحل المقبلة.

في سوريا، يدفع الأميركيون إلى خلق مواجهة روسية – إيرانية إجبارية. وهذا ما يستفيد منه الإسرائيليون والأتراك أيضاً. والمواجهة، عندما تقع، لا يمكن أن تنتهي بتسوية وسطية، بل بالحسم: إما موسكو وإما طهران. وفي عبارة أخرى: هل سيكون الرئيس بشّار الأسد، على منطقة نفوذه، حليفاً لروسيا أم لإيران؟

هذه المعادلة بدأ يدركها الإيرانيون، المعروفون ببُعْد النظر في المسائل الاستراتيجية. ولذلك، سارعوا إلى التصعيد لفرض الحضور، من خلال التذكير بقدراتهم على مواجهة إسرائيل. فعمدوا إلى إسقاط المقاتلة الإسرائيلية للمرة الأولى، ولوَّحوا بخرق الحدود وضرب الداخل الإسرائيلي من سوريا ولبنان، وأظهروا أنهم يستطيعون السيطرة تماماً على القرار في لبنان.

وتتكامل الصورة لدى إيران وروسيا بأنّ الولايات المتحدة عازمة على منح الأكراد كياناً في الشمال الشرقي لسوريا، مدعوماً بنحو 30 ألف مقاتل، في ظلّ حماية أميركية برّية وجوّية، وسيطرة أميركية كاملة على المناطق الكردية والعربية التي تمّت هزيمة «داعش» فيها، والواقعة شرق الفرات حتى الحدود العراقية والأردنية.

وثمّة مَن يعتقد أنّ وضع عِفرين، التي تشكّل جزيرة كردية في الغرب، على الحدود مع تركيا، يبقى موضع مساومة. فإذا كانت أنقرة تستفزّها إقامة منطقة نفوذٍ كردي على حدودها شرق الفرات، فإنّ توسيع هذه المنطقة، عبر منبج، وإقامة تواصل كردي على امتداد الحدود غرباً، حتى البحر، تعتبرهما تركيا مسألة حياة أو موت. وكان لافتاً دخول القوات الشعبية التابعة للنظام إلى عِفرين ما يعوق مساعي تركيا للسيطرة على المدينة.

ويُفترض أن تحظى منطقة النفوذ الأميركي شرقاً وشمالاً بدعم مالي ورعاية لإطلاق حياة سياسية على أسس لامركزية. ويتمّ التفاهم مع العراق والأردن لتسهيل النشاط الاقتصادي في هذه المنطقة من خلال المعابر الحدودية.

وفي هذه الحال، وبعد إرضاء الأتراك شمالاً، والإسرائيليين جنوباً، سيجد الروس والإيرانيون أنفسهم في مواجهة حتمية داخل بقعة نفوذهم الواحدة والوحيدة، أي منطقة سيطرة الأسد. وعلى الأرجح، هناك ضوء أخضر ضمني لإخضاع الغوطة الشرقية وتأمين دمشق، في مقابل الموافقة على منطقة النفوذ الأميركية.

وفي الموازاة، هناك ضوءٌ أخضرلإنهاء حالة «جبهة النصرة»، من خلال استنزافها في مواجهات طارئة مع حركتي «نور الدين زنكي» و»أحرار الشام» في أدلب وحلب، في موازاة استهدافها في الغوطة الشرقية. وكانت موسكو أعلنت مطلع السنة الجارية أنها ستكون، سنة القضاء على «النصرة» في سوريا، بعدما كان العام 2017 عام القضاء على «داعش».

ويتحدث بعض الخبراء عن تسوية محتمَلة في الغوطة تُجنِّب المدنيين خسائر لا يمكن تقديرُها. وتقوم هذه التسوية على اعتماد نماذج تسويات سابقة في حلب وإدلب والزبداني، حيث يتمّ إعلان هدنة عسكرية تتيح إفراغ أعداد كبيرة من السكان. وهنا يبدو صائباً تحذير الوزير مروان حمادة من انعكاسات سلبية إضافية في ملف النازحين بتأثير من معركة الغوطة الشرقية.

بعد استتباب الأمر للأسد في بقعة نفوذه، والأميركيين شرقاً وشمالاً، وتحت الضغط الأميركي – الإسرائيلي لإضعاف نفوذ إيران الإقليمي، سينشأ نزاع روسي – إيراني في منطقة الأسد، بل هو نزاعٌ على الأسد. والأرجح أنّ اللاعب الروسي سيكون الأقدر على عقد الصفقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكنّ طهران ستقاتل بشراسة دفاعاً عمّا حقّقته حتى اليوم، وما تكبّدت في سبيله أكلافاً باهظة. وستستخدم كل أوراقها في العراق وسوريا ولبنان، وربما في اليمن ودول عربية أخرى. وهنا، يمكن أن تدخل دول، وبينها لبنان، في أتون مغامرات غير محسوبة النتائج، ومكلفة جداً. فأيٌّ من القوى الدولية أو الإقليمية ستتدخّل لضبط الموقف، وما هي الأثمان المطلوبة مقابل ذلك؟

في المرحلة المقبلة، سترفع الديبلوماسية الأميركية مستوى استنفارها الشرق الأوسطي بحراك لتيلرسون ومساعديه وربما من خلال موفد رئاسي خبير في شؤون المنطقة، يكون قادراً على خوض مفاوضات صعبة ومعقّدة في الملف السوري.

ويبدو أنّ الخطوط ترتسم على الأرض، يوماً بعد يوم، في سوريا. لكنها، عاجلاً أو آجلاً، ستصبح خطوطاً على الورق في جنيف.

وعندما تتغيّر سوريا لا يمكن الشرق الأوسط كلّه إلّا أن يتغيّر!