IMLebanon

العقوبات على «الحرس الثوري» الإيراني تضع «قواعد الاشتباك» على المحك!

 

العين الأميركية شاخصة نحو تصعيد المواجهة على «جبهة اللاحرب» وتضييق الخناق

 

 

أفغانستان هي الخاصرة الرخوة للوجود الأميركي… وجهوزية «حزب الله» في الجنوب لا تخرج عن المألوف

أحدث إدراج واشنطن «الحرس الثوري» الإيراني على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية صدمة في المحور الإيراني، رغم أن توجّه «البيت الأبيض» هذا ليس جديداً، وبالتالي ليس مفاجئاً. مردّ عنصر الصدمة يعود إلى الاعتقاد الذي كان سائداً بأن الإدارة الأميركية لن تذهب إلى حدود تجاوز ما يعتبره «المحور» خطوطاً حمراء.  دونالد ترامب وصف هذه الخطوة بـ «غير المسبوقة»، ووضعها الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصر الله في خانة الـ «سابقة» كون «الحرس الثوري» الإيراني ليس تنظيماً أو حركة، بل هو مؤسسة عسكرية رسميّة قانونيّة في دولة – هي إيران – مُعترف بها وعضو في الأمم المتحدة.

المقاربة الأميركية تنطلق من أن «الحرس الثوري» يشارك بفاعلية في تمويل ودعم الإرهاب باعتباره أداة من أدوات الدولة، لكنها في الواقع ليست مقاربة جديدة. يقول متابعون لهذا الملف إن واشنطن اعتمدت على نظرية أنه بالإمكان ضبط «إرهاب الدول» والوصول إلى توافقات وضمانات، لكن من الصعب تحقيق ذلك مع إرهاب المنظمات والحركات. كان المقصود آنذاك التنظيمات السنيّة المتطرّفة، التي جسّد «تنظيم القاعدة» نموذجها الأبرز، في ظل الاقتناع بأن التنظيمات الشيعية لها مرجعيتها المرتبطة بـ «الحرس الثوري».

هذا المفهوم شهد تبدّلاً مع إدارة ترامب، فهي اعتبرت أن القضاء على التنظيمات الإرهابية المتشددة والتي يُنظر إليها على أنها تنظيمات سنية، لا يمكن أن يؤتي ثماره ويؤول إلى خلق بيئة مستقرة ما لم يتم القضاء على التنظيمات الشيعية التي تُشكّل أذرع إيران العسكرية، حيث أفضت «الثورة الإسلامية» إلى بروزها كجسم عقائدي ديني اخترقت به ساحات عدّة، واستولدت تطرّفاً مقابلاً.

ما يحاول المطلعون على الاستراتيجية الأميركية قوله هو أن هذا التبدّل عبارة عن قناعة ثابتة وليس مناورة أو ورقة من أوراق المساومة في الضغط على إيران. إضعاف أذرعها العسكرية الخارجية، وفي مقدمها «حزب الله»، وإضعافها وشل قدرتها، سياسة لا رجوع عنها وهي ماضية بخطوات متصاعدة. الذهاب إلى إدراج «الحرس الثوري» على لائحة الإرهاب من شأنه أن يُجفّف قدرته الاقتصادية والمالية، لا سيما وأن تمويله لا يمرّ عبر الدولة وموازنتها بل لديه شبكاته الاقتصادية والمالية الموازية. في هذا السياق، يتم إضافة حلقة مؤثرة من حلقات الحصار والضغط على إيران، بما يوجّه ضربة قوية لهذه المؤسسة المنفصلة عن الجيش الإيراني.

العين الأميركية تتجه نحو تصعيد المواجهة على «جبهة اللاحرب»، حيث تُمسِك واشنطن بأطراف اللعبة، نظراً لأن أدوات «اللاحرب» بيدها وهي فاعلة وموجعة. ويُقر الخصوم بحجم الخناق المفروض عليهم مالياً واقتصادياً، ويتحدثون عن «الصبر وشدّ الأحزمة لإدارة الوضع». لكن إدارة ترامب تدرك أن إيران ومَن معها يلعبون لعبة شراء الوقت لتمرير مرحلة السنة وثمانية أشهر الفاصلة عن الانتخابات الأميركية المقبلة، التي ستحوّل الرئيس الحالي إلى مجرّد مرشح في وجه مرشح الحزب الديمقراطي، الأمر الذي سيدفعه إلى درس خطواته بتأنٍ واتخاذ قرارات يُراعي فيها مصلحته الانتخابية، وإلا فإنه سيخسر الانتخابات.

هذا الإدراك يقف وراء اندفاعة «البيت الأبيض» نحو حلفائه في المنطقة للانخراط معه بقوّة خلال الأشهر المقبلة من أجل إحلال الأمن والسلام في الشرق الأوسط، سواء عبر إنجاز «التحالف العربي – الدولي»، الذي عليه أن يقوم بمسؤولياته في الدول التي تحوّلت إلى ساحات صراع، أو من خلال دعم خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي يُفترض أن تُنهي هذا الصراع المزمن الذي استنزف الدول العربية. فتحت عباءة «الدفاع عن فلسطين» اجتذبت إيران الشباب العربي ووسّعت نفوذها باتجاه الكثير من الدول العربية، مؤثرة على معيار الاستقرار والأمن فيها، لا سيما في ظل اندلاع الحرب المذهبية.

فمعالم تسارع الخط التصاعدي في أدوات «اللاحرب» جليّة، وهي السبب في خلق هذا المناخ المقلق الذي يُخيّم على لبنان والمنطقة. فنصر الله بنى كلامه  في «يوم الجريح» على بَيّنة أن الإجراءات الأميركية مستمرة، وأن لوائح الإرهاب والعقوبات ستطول. وهو حين وجّه رسالة إلى الأميركيين، مفادها أن  يد وخيارات كل محور المقاومة بدولِه وأنظمته وجيوشه وشعوبه وحركاته وفصائله المقاومة مفتوحة، كان يرسلها بوصفه المتحدث باسم «محور المقاومة»، على حد تعبير لصيقين بأجواء «الحزب»، الذين يعتبرون أن الرسالة المذيّلة بالتوقيع أُرسلت بالبريد المضمون، وهي رسالة تَفهَم معانيها الجهة المُرسِلة لها.

فحوى الرسالة يتمحوّر حول أن تجاوز الخطوط المرسومة قد بدأ مع  إدراج «الحرس الثوري» الإيراني على لائحة الإرهاب، وهذا يعني أن الاستمرار في هذا المنحى سيؤدي حتماً إلى تغيير «قواعد الاشتباك» التي جرى إرساؤها سابقاً مع الأميركيين. ما يقصده هؤلاء أن «قواعد الاشتباك» هذه أمّنت مظلة أمان للقوات الأميركية المتواجدة في الساحات التي يتواجد فيها نفوذ إيراني، وأمّنت كذلك القواعد الأميركية ومصالحها في الأماكن التي تصل إليها يد إيران وأذرعها. لكن ذلك لن يعود مضموناً بعد اليوم إذا استمرت واشنطن في انتهاج مزيد من الضغوط التي أضحت تمسّ بكينونة النظام الإيراني ومؤسساته والتنظيمات التابعة له.

نصر الله لم يكن مضطراً للإشارة إلى الميادين المقصودة، فقد تولى ذلك مسؤولون إيرانيون، حين أشاروا إلى غرب آسيا، في رسالة أن ثمة خواصر رخوة لدى الأميركيين في نقاط كثيرة من تلك المنطقة الممتدة من جبال أفغانستان إلى البحر المتوسط. والميادين تشمل بالطبع دول الخليج العربي والممرات المائية واليمن والعراق وسوريا ولبنان وغزة وإسرائيل، وأن الاستهداف قادر على أن يطال المصالح الأميركية على أنواعها. ما يوحي به لصيقون بـ«الحزب» أن قراراً بحجم إدراج «الحرس الثوري» على لائحة الإرهاب لا يمكن أن يمرّ من دون ردّ.

الأنظار تتّجه، بالدرجة الأولى، نحو أفغانستان حيث اليد الإيرانية طويلة ونفوذها مؤثر، كما إلى العراق. ورغم أن وتيرة المخاوف من حرب بين إسرائيل و«حزب الله» ترتفع مع كلام عن تعبئة يقوم بها «الحزب»، ومواقيت الثالث من أيار حيث موعد تشديد العقوبات على تصدير النفط، فإن مطلعين يدورون في فلك «حزب الله» يتحدثون عن جهوزية وتحسب طبيعي لـ «الحزب» لا يخرج عن المألوف، وأن لا شيء يشي باستعدادات للحرب على طرفي الحدود، إذ أن أي حرب مقبلة لن تعتمد على عنصر المفاجأة، بل على مَن سيضغط على الزناد أولاً!.