IMLebanon

تحديات السلاح و”العطب البنيوي”

 

 

 

لا شيء في مسار “حزب اللّه” إلا بأمر. ولا أحد يجهل صاحب الأمر. فالامتناع عن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والردّ على اعتداءاته اليومية التي تضرب كوادره وبنيته التحتية يتمّان بأمر. والاستعداد لإسناد إيران في حرب تشنها أميركا وإسرائيل أو في حرب وقائية إيرانية يأتي بأمر. أمّا الحسابات التي تؤدي إلى الأمر باللاردّ أو الإسناد، فإنها مبنيّة على قراءة صاحب الأمر ظروف المرحلة ونوع الفعل الذي يخدم مصلحته. وأمّا لبنان، فإنه في الحالين ميدان مؤجّل أو معجّل. وتلك هي المشكلة، بصرف النظر عمّا يحدث أو لا يحدث.

 

ذلك أن السؤال الذي يشغل لبنان والمنطقة والعالم حول ما يقرّره الرئيس دونالد ترامب من حرب أو صفقة مع إيران يتفرّع منه سؤال في بيروت وبعض العواصم المعنيّة عن انضمام أو عدم انضمام “حزب اللّه” إلى إسناد إيران.

 

طرح السؤال الذي يشغل الجميع إشارة إلى أن ترامب يؤدّي دور “السلطة” في العالم تاركًا للبقية دور “المعارض” العاجز عن الفعل. ومجرّد السؤال في لبنان عن توقيت معاودة “حزب اللّه” الردّ على إسرائيل كما عن مشاركته في إسناد إیران يعني أن السلطة لم تصبح سلطة كاملة بعد.

 

إذ لا ما تبدّل على الأرض جنوب الليطاني بالسيطرة الكاملة للجيش، أحدث تبدلًا جيوسياسيًا واستراتيجيًا على مستوى البلد. ولا “حزب اللّه” تخلّى عن التصرّف على أساس أنه يملك قرار الحرب والسلم أو أنه شريك فيه قادر على الانفراد بالقرار، بعد كل تأكیدات السلطة أنها استعادت القرار، وبعد قرار مجلس الوزراء حصرية السلاح في يد الدولة وسحب السلاح غير الشرعي وبدء التنفيذ جزئيًا.

 

والمسألة أبعد من كونها مسألة ظروف وإمكانات وشهور. حتى التركيز على كون حصرية السلاح قضية وطنية ومصلحة عليا قبل الإلحاح العربي والإقليمي والدولي على سحب السلاح غير الشرعي، لا يغيّر في العقبات والمصاعب. المسألة هي الفارق النوعي بين طبيعة السلطة اللبنانية وطبيعة “حزب اللّه”. فالسلطة، مهما تغيّرت وتبدّل فيها اللاعبون، محكومة بأن تكون أضعف من الزعامات الممثلة فيها، وأن تساير الجميع، وتحرص على الاستقرار، وتخاف من استخدام العنف الشرعي الذي يجب أن تحتكره حسب ماكس فيبر. ولا مرة منذ الاستقلال، إلّا نادرًا، وجد لبنان نفسه خارج نموذج ما سمّاه كارل ميردال “الدولة الرخوة”. و “حزب اللّّّّّه” المرتبط بالحرس الثوري الإيراني هو “ماكينة أمنية” قوية إلى جانب “جذرية” هدفه السياسي البعيد المدى في إطار “ولاية الفقيه”. وهو ليس خائفًا من الاصطدام بالسلطة التي يتحدّاها والخائفة حتى من الاصطدام السياسي به.

 

ومع أن قوّة الشرعية أقوى من أية قوة، فإن الشرعية كانت ولا تزال ممنوعة بقوة المصالح الفئوية والشخصية الضيّقة من استخدام قوتها الدستورية والقانونية. صحيح أن بناء مشروع الدولة لم يكتمل، وأن لبنان دفع ثمن حروب الفصائل الفلسطينية وحروب إسرائيل وسوريا وإيران وصراعات القوى العربية والإقليمية والدولية، فضلًا عن الوصاية السورية ثمّ الإيرانية والمطامع الإسرائيلية. لكن الصحيح أيضًا أن لبنان يعاني، بصرف النظر عن كلّ ذلك، مشكلة “عطب بنيوي” ساهمنا في تعميقه بدل إيجاد حلّ له.

 

والتجربة أكدت استحالة بناء دولة على القاعدة الدقيقة والخطيرة التي عبّر عنها ميشال شيحا حول إدارة العيش المشترك القائم على “الخوف السياسي المتبادل” و “المنفعة الاقتصادية المشتركة”. فالخوف السياسي المتبادل صار أعمق وأخطر وقاد إلى حروب. والمنفعة الاقتصادية المشتركة أدّت إلى أكل الأخضر واليابس على يد المافيا السياسية والمالية والميليشوية، بحيث لم يبق ما يسرقونه بعدما سطوا على المال العام والخاص واستدانوا ليسرقوا.

 

وإذا كانت “السياسة هي التنظيم المنهجي للحقد” حسب هنري أدامز، فإنها في لبنان فلتان الحقد.