IMLebanon

العراق… نفوذ إيراني ومصيرٌ معلّق بين المحادثات والهجمات

 

 

منذ وصوله إلى سدّة الرئاسة اتُّهم الرئيس الأميركي جو بايدن بالتراخي مع الفصائل المسلّحة التابعة لإيران في المنطقة. وأتى أمره هذا الأسبوع بقصف مقرات لهذه الفصائل في سوريا والعراق، ليثبت أنّ واشنطن لن تبقى مكتوفة الأيدي إزاء تعرّض قواتها لهجمات متكرّرة في العراق.

تحمل الضربات الأميركية رسائل متعدّدة. أولها أنّ الفصائل الإيرانية المسلّحة سوف تدفع ثمناً في حال استمرت باستهداف قوات التحالف الدولي. وبالتالي ترتبط الضربات بتصفيات ميدانية.

 

ثانياً، تأتي هذه الضربات في إطار ترسيخ النفوذ على الساحة العراقية، حيث تدفع إيران بالقوات الأميركية إلى المغادرة، بينما تهدف واشنطن إلى إضعاف النفوذ الإيراني هناك.

 

ويبدو أنّ الفصائل الموالية لإيران تتوقع من خلال ضرباتها المتتالية على المصالح الأميركية دفع القوات الأميركية إلى مغادرة العراق تحت ضغط الهجمات، على غرار السيناريو الأفغاني الذي نفّذته حركة «طالبان»، فأجبرت واشنطن على التفاوض والتراجع.

 

ثالثاً، لا يغيب عن المشهد أنّ الضربات تأتي في ظرف سياسي حسّاس، وفي وقت ينتظر العالم تصاعد الدخان الأبيض من الجولة السابعة المُنتظرة من محادثات فيينا، منذراً بعودة ايران إلى التزاماتها النووية مقابل رفع العقوبات الأميركية عنها. وبالتالي، يحاول الطرفان إرسال رسائل سياسية عبر تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بهدف تحسين شروطهما التفاوضية.

 

ويؤكّد رئيس المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية في لندن الدكتور غسان العطية، في حديث لـ»الجمهورية»، أنّ الاحتمالات من جراء الضربات الأميركية متعدّدة، لافتاً إلى أنّ أولويات واشنطن في عهد الرئيس بايدن تختلف عن الإدارة السابقة برئاسة دونالد ترامب.

 

ويقول: «تسعى واشنطن حالياً إلى جانب الأوروبيين، لإقناع إيران بالعودة إلى الاتفاق النووي، ولكن مع التزامات أخرى ترتبط بالتواجد الايراني في دول الجوار وبدور إيران المقلق… وبالصواريخ التي يمكن أن تضرب بها اسرائيل. في حين يشعر الطرف الايراني أنّه قادر على الصمود أمام واشنطن من دون تقليص نفوذه أو أذرعه في لبنان والعراق وسوريا واليمن. وقد أعلن الإيرانيون أنّهم لن يقبلوا سوى بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم بالمستويات المنصوص عليها في اتفاق العام 2015 دون تعديل فيه. تزامناً، تستخدم إيران أذرعها هذه لإنهاك الأميركيين. والسؤال من سيتراجع؟».

 

ويرجّح العطية أنّ «الايرانيين لن يتراجعوا لأنّهم يشعرون بالزهو والنصر وبأنّهم ساهموا بإسقاط ترامب، وهم يريدون دفع الأميركيين إلى مغادرة العراق. وفي المقابل، لا تنوي الولايات المتحدة الدخول في حرب مع ايران». ويشير إلى أنّ «بايدن أعطى الأمر بأن يتمّ ضرب موقعين فقط تمّ اختيارهما بنحو مدروس، لا يجرّ إلى التصعيد في التعامل مع ايران». ويعتبر العطية أنّ الرسالة العسكرية التي وجّهها بايدن هدفت بالدرجة الأولى إلى إشعار الأميركيين بأنّه لم يتخلَّ عن مسؤولية حمايتهم.

 

ويضيف: «بهذا الشكل لا يُتوقع بأن يكون الردّ الايراني أو ردّ جماعة إيران إلّا بنفس المستوى، وبالتالي تبقى الحالة على ما هي عليه، ويستمر ما يُسمّى عضّ الأصابع».

 

ويُذكر أنّ منذ انتخاب بايدن استَهدف أكثر من 40 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة مصالح الولايات المتحدة في العراق، حيث ينتشر 2500 جندي أميركي في إطار التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

 

ويرى رئيس المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية، أنّ هذا الوضع سيطول وستنعكس خلاله وضعية إيران على لبنان وسوريا واليمن.

 

ويوضح أنّ «ايران قد تكون مستعدة لأن تحمي أو ألّا تعرّض المصالح الأميركية في العراق إلى الخطر، مقابل محافظتها على نفوذها في العراق».

 

ويشير إلى قول مسؤولين عرب، إنّ الولايات المتحدة سلّمت العراق على طبق من ذهب إلى ايران.

 

ويقول: «يذكّرنا الوضع الحالي بما فعله الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغن، حين قُتل أكثر من 200 جندي أميركي في التفجير الذي طال قوات المارينز في بيروت العام 1983، فوجد أنّ قضية لبنان معقّدة، والأفضل أن يسلّمها إلى حافظ الأسد»، بشرط أن يحمي الأسد المصالح الأميركية.

 

ويعتبر أنّ «بايدن اتبع هذا الاسلوب حالياً مع الايرانيين، لكن الايرانيين تمادوا في هيمنتهم وسيطرتهم إلى درجة جعل العراق أشبه بمنطقة نفوذ إيرانية، وسوف يكون من الصعب على ايران التخلّي عنها».

 

ويؤكّد أنّ «مصير بغداد معلّق، وهي تُشكّل ساحة صراع، وسط شعور الطرف الإيراني بأنّه قوي».

 

ويأسف العطية بسبب «الحسّ الطائفي عند بعض شيعة العراق الذين يعتقدون بأنّ ايران تحميهم، وأي ضعف يطالها يطالهم أيضاً». ويؤكّد أنّ «هذا المنطلق الطائفي سينعكس على كل العراق بما يجعل من تقسيمه أو توزيعه على شكل مناطق نفوذ حقيقة قائمة». ويقول: «هذا ما نخشاه، لأننا لا نريد التقسيم ولكننا سننتهي إلى التقسيم، وهذه هي مأساة الوضع».

 

ويعتبر أنّ الطرف الوحيد القادر على المساعدة في تدارك الوضع هم العرب، ويدعوهم إلى توحيد صفوفهم ومواقفهم وتجاوز «الخلافات العبثية».

 

ويضيف: «بتعاون السعودية ومصر والامارات… وتشكيلهم قوة، بإمكانهم المساعدة في دعم الرقم العراقي البدني وليس الطائفي».

 

ويشير إلى أنّه «يصعب على العراقيين حالياً وهم بحالة انقسام مرعبة أن يقفوا أمام النفوذ الايراني، الذي امتد إلى الأكراد وإلى شخصيات وزعامات سنّية في السلطة».

 

ويؤكّد أنّ العراق أصيب بنفس الفيروس اللبناني الطائفي. وإن لم يخرج من هذا المأزق ستكون المنطقة في حالة اضطراب لسنوات وسنوات.

 

ولكنه يلفت إلى وجود «عراقيين من الشيعة والسنّة والكرد لا يرضون بالوضع الحالي، وهم مستعدون لأن يتّحدوا من أجل عراق مستقر مدعوم عربياً وحتّى دولياً».

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ العراق كان جمع في نيسان الماضي، وفدين إيراني وسعودي في بغداد، ساعياً إلى لعب دور وسيط إقليمي قوي ليتفادى أن يصبح ساحة صراع بين القوى الإقليمية.

 

كذلك استضاف العراق الأسبوع الفائت قمة عربية جمعت قادته بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبد الله الثاني، سعياً منه إلى تحقيق تقارب بين حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط.

 

وقد أكّد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي خلال كلمته في القمة، ضرورة التنسيق بين بلاده والأردن ومصر لمواجهة ما وصفها بـ»التحدّيات».

 

ويشدّد العطية على أنّ «نهج أي دولة يعتمد على مصالحها»، لافتاً إلى أنّ «القيادات المصرية والسعودية والأردنية تحديداً، تُدرك تماماً أنّ ضياع العراق معناه أنّ عملية الدومينو ستستمر، أي أنّ لبنان سينتهي إلى وضع آخر وكذلك سوريا».

 

ويشير إلى أنّ «هذه معركة طويلة وعلى العرب أن يتحمّلوا مسؤوليتهم لا تكرّماً على لبنان أو سوريا أو العراق، وإنما حماية لأنفسهم، لأنّ سقوط العراق كما سقط لبنان تقريباً، يعني أنّهم ليسوا بمنأى من السيطرة والهيمنة الايرانية».