IMLebanon

هل قرّر «حزب الله» إسقاطَ الحكومة والحوار؟

قد يكون مفهوماً أن تثير الأحداثُ اليَمَنيّة ردّ فعل عفوي وغاضب لـ«حزب الله»، ولكن عندما يتحوّل هذا الرّد الفعل إلى سياسةٍ ونهجٍ يعتمدهما الحزب في سياقٍ تصعيدي ومبرمَج ومتواصل، يصبح التساؤل عن الهدف من وراء هذا التصعيد مبرَّراً، ولا بل ضرورياً.

كان باستطاعة «حزب الله» أن يكتفي بالإطلالة الأولى للسيد حسن نصرالله التي حمل فيها بشدة على السعودية خارقاً السقوفَ السياسية ومتجاوزاً الأدبيات والأعراف الديبلوماسية ومهَدِّما كل جسور التلاقي وموتراً الوضع المذهبي والسياسي بشكل غير مسبوق.

أما وأنه عاد وأطل مجدّداً عبر «الإخبارية السورية» بالمضمون نفسه، وواصل حزبُه هجومَه الشخصي، لا السياسي، وكلامه الذي جوهره الاتهامات العشوائية والمفبركة، وهو يطلّ مجدّداً اليومَ في مهرجان تضامني في الضاحية مع اليمن، فيصبح في المسألة إن.

فإذا كان الحزب يريد توجيهَ رسالة للسعودية ولكل مَن يهمه الأمر، فقد وصلت. وإذا كان يريد قطعَ «شعرة معاوية» مع المملكة، فقد قُطعت. وإذا كان يريد إسماعَ لهجته الجديدة في مهاجمة الرياض، فقد سُمعت، ولم يعد يقدِّم جديداً، بل كلاماً مكرَّراً، وبالتالي ماذا يريدُ الحزب من هذا التصعيد المتواصل، وإلى أين يسعى لإيصال البلد؟

فلا يوجد شيء اسمه تصعيد للتصعيد. ومعلوم أنّ «المستقبل» في هذه المعركة هو في موقع ردّ الفعل، حيث يكتفي بالرّد على هجوم الحزب المتواصل، لأنه لا يمكنه أن يتغاضى عن الحملة التي يشنّها. ويدرك الحزب أنّ معركته مع السعودية ستتحول إلى معركة مع «المستقبل».

ويدرك الحزب أيضاً أنّ معركته مع السعودية ستُحرج «المستقبل» داخل بيئته. ويدرك الحزب أيضاً وأيضاً أنّ اللازمة الخشبية المتمثلة بالتمسك بالحوار ستسقط عاجلاً أم آجلاً أمام التعبئة القائمة والمتفلِّتة من أيّ ضوابط.

فسلوك الحزب لا يؤشر إلى أنه حريص على الحكومة والحوار والاستقرار، لأنّ مَن يكون حريصاً على شبكات الأمان يعمل على التهدئة، لا التصعيد، وتنفيس الاحتقان، لا التوتير، خصوصاً أنّ أحداً لا يُساجله، وبالتالي لماذا نقل الأزمة اليَمَنية إلى شوارع الضاحية الجنوبية؟

ولماذا تحريك الشارع واستخدامه بتجييش عشرات الآلاف من الشيعة الذين سيرفعون قبضاتهم دعماً للحوثيين؟ وإذا كان حريصاً على تحييد لبنان، لماذا لا يُرسل مقاتليه إلى اليمن ويترك اللبنانيين وشأنهم تماماً كما يفعل في سوريا والعراق؟

وانطلاقاً ممّا تقدّم أصبح التساؤل مشروعاً عن أهداف الحزب ومراميه. ولم يعد جائزاً الاكتفاء بالنظرية القديمة القائلة إنّ «حزب الله» يريد الاستقرار في لبنان ليتفرغ لقتاله في سوريا، أو إنه يريد الشراكة مع «المستقبل» ليتكفل الأخير بمواجهة المتطرفين بعد عجزه عن مواجهتهم وإبعادهم من مناطقه. ومبرِّرات عدم جواز النظرية القديمة هو إقدامه على تحريك الستاتيكو القائم وهَزّه من خلال تصعيدٍ بياني ومن دون سقف وضوابط.

وإذا كان يصعب الجزم بالهدف الذي يريد أن يحققه الحزب، فالأكيد هو أنه أخلى وتخلّى عن تموضعه الذي سبق «عاصفة الحزم» لمصلحة وضعية جديدة يصعب التكهن من اليوم بمؤدياتها.

فالمرحلة التي دخلتها المنطقة مع هذه العاصفة وتوقيع الاتفاق-الإطار النووي، تختلف جَذرياً عن المرحلة التي سبقتها، حيث إنّ الصراع اتخذ بُعداً مختلفاً، والكلام عن تسويات للأزمات الساخنة بات ينتظر الوقتَ الملائم.

ومن هنا لا يمكن تفسير تصعيد الحزب إلّا من زاويتين: زاوية تكتية هدفها الهروب إلى الأمام من ضغوط العماد ميشال عون بالتعيينات العسكرية، واستباقه إلى فرط الحكومة من الباب الإقليمي-الوطني لا التمديد العسكري، الأمر الذي يُبقي القديم على قِدَمه حتى إشعار آخر.

وزاوية استراتيجية ترمي إلى التلويح بضرب الاستقرار في لبنان في اللحظة التي يظنّ فيها أيّ كان أنّ ما يحصل في اليمن يمكن أن يتكرَّر في لبنان، وبالتالي سيذهب إلى تحويل الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال بغية إدخال البلد في أزمة حكم ونظام تمهيداً لتسوية شاملة وسلّة متكاملة.

فلن يستطيع «المستقبل» أن يصمد طويلاً في الحكومة والحوار، ومن الواضح أنّ «حزب الله» يريد أن يدفعه دفعاً لاتخاذ قرار فكّ المساكَنة من أجل تحميله مسؤولية وتبعات موقفه، ولكنّ موقف «المستقبل» لا يُحسَد عليه اليوم، حيث إنّ التصعيد المتواصل يضعه بين مطرقة الأصوليين وسندان الحزب.

فدفعُ «حزب الله» للأمور إلى حدِّها الأقصى هدفه تأزيم الوضع لاستجلاب تسوية بشروطه قبل أوان التسويات المرتقَبة في ظلّ خشيته من نجاح السعودية في تحقيق تسويات متوازنة، خصوصاً بعد البروفا اليَمَنية وحصولها أخيراً على تأييد الشرعية الدولية، وبالتالي خشيتُه من أن تتدحرج الأمور بعد اليمن باتجاه سوريا ولبنان دفعته إلى استباق الأمور ورفع المواجهة والتحدّي من اليوم تحت عنوان أنّ ما يَصح في اليمن لا يَصح في سوريا ولبنان.

ويبقى أنه من غير الممكن أن يكون تصعيد «حزب الله» من دون أفق وهدف وخطة واضحة، هذا التصعيد الذي ستكون الحكومة التي قامت على قاعدة أمنية-سياسية بينه و»المستقبل» أولى ضحاياه، والحوار الذي كان هدفه ترسيخ الاستقرار وتخفيف الاحتقان الضحية الثانية، وينذر بإنزلاق البلاد نحو اللّاإستقرار.