سنسرد في هذا المقال قصة واقعية ترتكز على أحداث حصلت خلال الثمانينات، بدءاً من تأسيس «أوروديف» أو الاتحاد الأوروبي لتخصيب اليورانيوم بالانتشار الغازي، عام 1973، من قِبل الصناعي الفرنسي جورج بيس، مروراً بصفقة الأسلحة بين إيران والكونترا، وصولاً الى تفجيرات الكويت.
بدأت القصة عام 1974 حين أقرض الشاه رضا بهلوي حاكم إيران مليار دولار إلى لجنة الطاقة الذرية الفرنسية لبناء مصنع «يوروديف»، لكن بعد حصول الثورة الإسلامية عام 1979 وخلع الشاه، اعتبرت فرنسا انّها غير ملزمة باحترام العقد المبرم مع الايرانيين. من جهة أخرى وبسبب نقص الأموال، ألغى آية الله الخميني برنامج الشاه للطاقة النووية، من دون أن يتخلّى عن المطالبة بـ 10% من إنتاج «يوروديف» من اليورانيوم المخصّب.
في عام 1981، وصل فرانسوا ميتران الى سدّة الرئاسة الفرنسية، وهو أيضاً استمرّ في تجاهل مطالب إيران، الى أن قرّر نظام آية الله الخميني استخدام الإكراه. حينها أقدمت بعض المنظمات المدعومة من الجمهورية الاسلامية باستهداف باريس بسلسلة من التفجيرات، كما تمّ اغتيال جورج بيس. توازياً، حصلت عمليات خطف لمواطنين فرنسيين نفّذها «حزب الله» في بيروت. تميّزت الثمانينيات في لبنان بأزمة احتجاز الرهائن، حيث تمّ اختطاف ما يقارب 100 مواطن غربي من شوارع العاصمة اللبنانية واحتجازهم لسنوات عدة، وكان معظمهم من مواطني الولايات المتحدة وفرنسا، الدولتان اللتان تعتبرهما إيران من أعداء الثورة الإسلامية. لذلك استعملت الرهائن لممارسة الضغط عليهما وإجبارهما على تغييّر سياساتهما تجاهها. على الرغم من كون الأفراد الذين حدّدت المخابرات الغربية مسؤوليتهم عن احتجاز الرهائن ينتمون الى «حزب الله»، الّا أنّ قادته أصّروا على نفي المسؤولية، رافضين التكلّم عن أزمة الرهائن.
أدّت سياسة الإبتزاز هذه الى إقناع الفرنسيين باحترام عقد «أوروديف». وفي 29 كانون الأول 1991، وضع فرانسوا ميتران حداًّ للحرب السرّية مع إيران، من خلال توقيع اتفاقية أعادت ترسيخ حقوقها بالحصول على 10% من اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة، كما أفرجت الحكومة الفرنسية عن أكثر من 1.6 مليار دولار من الأموال الايرانية المجمّدة. هكذا تمّت تسوية قضية الرهائن الفرنسيين، الّا أنّ دور «حزب الله» في تلك الأزمة جعل من مفهوم الإرهاب صفة لصيقة بالكيان اللبناني، وطبعاً لم يتمّ الكشف عن حقيقة النزاع للرأي العام اللبناني أو إخباره بأنّ البلاد تورّطت بعمليات ارهابية، بهدف رفع الحظر عن الأصول الإيرانية في المصارف الغربية، أو من أجل حصول ايران في مرحلة لاحقة على أسلحة أميركية.
أما بالنسبة لأزمة الرهائن الأميركيين، فهي من جهة مرتبطة بالحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) ومن جهة أخرى، بمحاولة إقناع الأمم المتحدة بإصدار قرار يدين العراق لاعتدائه على ايران. في ما يتعلق بالنقطة الأولى، أدّت ديبلوماسية الابتزاز والخطف الى إرغام الولايات المتحدة على بيع إيران الأسلحة التي كانت بحاجة اليها، ولكن تحت غطاء السرّية. بالفعل، في آب 1985، حصلت طهران على أول شحنة أسلحة تضم صواريخ مضادة للدبابات مرسلة من إسرائيل بموافقة رئيس الوزراء شيمون بيريز، الذي اشترط الحصول على موافقة أميركية عالية المستوى قبل إتمام تلك الصفقة. نتيجة لهذه التسوية، تمّ إطلاق سراح الرهينة الأميركي بنيامين وير ورهينتين أخريين من الأسر.
بعد ذلك بعام، تمّ الإفراج عن القسّ الكاثوليكي مارتن جينكو، وأيضاً عن مدير كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، ديفيد جاكوبسون. لكن لا بدّ من الاشارة الى أنّه لم يتمّ إطلاق سراح جميع الرهائن، إذ كانت هناك قضية واحدة لا تزال عالقة، ألا وهي قرار الأمم المتحدة المذكور سابقاً. لذلك، وفي كانون الأول 1991، حمّل الأمين العام للأمم المتحدة بيريز دي كويلار العراق مسؤولية بدء الحرب مع إيران، مشدّداً على «الاستخدام غير القانوني للقوة وتجاهل السلامة الإقليمية لدولة عضو في الأمم المتحدة كسبب في نشوب النزاع». اعتُبر هذا القرار خطوة متقدّمة لإعادة تأهيل دور إيران على المستوى الدولي، ونتيجة لذلك، تمّ إطلاق سراح معظم الرهائن الغربيين في لبنان، وكأنّها مجرّد صدفة أخرى.
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحدّ، فهناك أيضاً قضية تفجيرات الكويت التي حصلت عام 1983. بالفعل، في 12 كانون الأول 1983، نفّذ عناصر «حزب الله» وأعضاء «جماعة الدعوة الشيعية العراقية» المدعومة من إيران، سلسلة من التفجيرات المنسّقة في الكويت، حيث يُعتقد أنّ الدافع وراء ذلك كان معاقبة الكويت وأميركا وفرنسا على دعمها العسكري للعراق في حربه ضدّ إيران. شملت التفجيرات السفارتين الأميركية والفرنسية، مطار الكويت، مؤسسة ريثيون، منصّة نفط تابعة لشركة البترول الوطنية الكويتية، ومحطة كهرباء. أدين الجناة الـ17 وسُجنوا في الكويت، وكان من بين المدانين والمحكوم عليهم بالإعدام في آذار 1984 مصطفى بدر الدين، صهر عماد مغنية وابن عمه. بالتالي، وبهدف الإفراج عن خلية «الكويت 17»، نفّذ «حزب الله» في النصف الثاني من عام 1984 العديد من الهجمات في لبنان والخارج، إلى جانب عدّة عمليات خطف. علاوة على ذلك، هدّد بقتل بعض الرهائن في حال تمّ تنفيذ الحكم. وفي هذا الصدد، أشارت مذكرة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى أنّ «مغنية ربط دائماً مصير الرهائن الأميركيين بالإفراج عن خليّة الكويت 17».
إنّ ما سبق يدفع بنا الى طرح العديد من الأسئلة التي نعرف أجوبتها مسبقاً، ومن أبرزها: أين يقع ولاء «حزب الله» في حرب الظلّ الدائرة بين إيران والغرب حول برنامج طهران النووي؟ من غير المجدي تأكيد المؤكّد. لكن المهمّ هو الاشارة الى أنّه عندما يضع «حزب الله» نفسه، ومنذ نشأته، في خدمة إيران الصريحة، فذلك يجرّده مرّة أخرى من الفرضية الشرعية التي شكّلت سبب وجوده، ألا وهي المقاومة ضد إسرائيل والمحافظة على السلاح، لأنّ تركيّزه كان دوماً على أهداف إستراتيجية أوسع بكثير من الأهداف المعلنة، وكذلك كان تصميمه على القيام بأفعال تتعارض بشكل فاضح مع مصالح لبنان المباشرة، وما تورّطه في الحرب السورية واليمنية الّا مثالاً صارخاً على استمرارية ولائه المطلق لإيران.
(14 كانون الثاني 1985) منذ عقود عدة، وفي مقابلة مع مجلة Monday Morning Magazine، لخّص محمود نوراني القائم بالأعمال الإيراني في بيروت الوضع جيداً حين قال: «هناك حزبان، «حزب الله» وحزب الشيطان. حينها ومن هذا المنطلق وضع كلّ من هو خارج «حزب الله» أو لا يشاطره الرأي في خانة حزب الشيطان او الخاسرين دوماً، حسب ما جاء في تفسير سورة المجادلة.
أما حان الوقت لمراجعة هذا التصنيف؟