IMLebanon

“حزب الله” والدولة اللبنانية: مسار انقلاب مستمرّ

 

 

 

لسنا هنا لكتابة بيان سياسيّ ولا لإطلاق شعارات ظرفيّة، بل لطرح سؤال وطني مباشر موجّه إلى “حزب اللّه”: بعد عقود على حضورك في الحياة اللبنانية ماذا فعلتَ بلبنان، وماذا تفعل به اليوم؟ هذا ليس خلافًا أيديولوجيًا ولا خصومة شخصيّة، بل محاكمة سياسيّة وأخلاقيّة لمسار بدأ تحت عنوان المقاومة وانتهى عند أزمة كيان ودولة ومجتمع ومستقبل.

 

وُلد “حزب اللّه” في مطلع الثمانينات في زمن الاحتلال الإسرائيلي، في بيئة جريحة وغاضبة، فحاز تعاطفًا طبيعيًا من شريحة واسعة من اللبنانيين. غير أن هذا النشوء لم يكن لبنانيًّا خالصًا، بل ارتبط منذ بداياته بمشروع عقائدي إقليمي يستمدّ فكره ومرجعيّته من ولاية الفقيه، لا من الدستور اللبناني. هنا يكمن الفارق الجوهري بين مقاومة تنتهي بانتهاء الاحتلال، وتنظيم يُبنى ليبقى فوق الدولة ويتعامل مع لبنان كساحة لا كوطن نهائي.

 

عام 2000 شكّل لحظة تاريخية نادرة، انسحبت إسرائيل من الجنوب، وكان يمكن لانتصار المقاومة أن يتحوّل إلى انتصار للدولة. في تلك اللحظة تحديدًا، كان لبنان قادرًا على استعادة سيادته وبناء مؤسّساته على قاعدة قرار واحد وسلاح واحد. لكنك اخترتَ طريقًا آخر، فرفضتَ تسليم السلاح ورفضتَ الاندماج الكامل في الدولة، وكرّستَ معادلة جديدة قوامها سلاح دائم خارج المحاسبة وخارج القرار الوطني. منذ تلك اللحظة، لم يعد السلاح وسيلة دفاع بقدر ما صار أداة نفوذ داخليّ.

 

بعد عام 2005، دخل لبنان مرحلة اغتيالات وانقسامات حادّة. لم تُحسم كلّ الحقائق قضائيًا، لكن المناخ السياسي كان واضحًا، كلّ من طالب بدولة فعلية وقرار سيادي صار محاصرًا أو معزولًا أو مهدّدًا. ثمّ جاء السابع من أيار 2008، اللحظة التي كُسر فيها أحد أخطر المحرّمات الوطنية، حين وُجّه السلاح إلى الداخل اللبناني. منذ ذلك اليوم، لم يعد ممكنًا الحديث عن شراكة متكافئة في وطن واحد، بل عن ميزان قوى فُرض بالقوّة وأخضع السياسة لمنطق الغلبة.

 

وجاء التدخل العسكري في الحرب السورية ليشكّل الخطيئة الكبرى. قرار مصيريّ بهذا الحجم اتخذ من دون استشارة الدولة أو الشعب أو البرلمان، فأُدخل لبنان في حرب إقليمية لا قرار له فيها، وربط مصيره بمحور يمتدّ خارج حدوده. كانت النتائج واضحة، عقوبات دولية، عزلة سياسية، توتر دائم على الحدود، وانهيار اقتصادي شامل. كل ذلك جرى باسم “حماية لبنان”، فيما اللبنانيّ تُرك وحيدًا يواجه الانهيار ويبحث عن خلاص فرديّ بالهجرة أو الفقر أو اليأس.

 

وفي الأيام الأخيرة، صعد الأمين العام لـ “حزب اللّه” الشيخ نعيم قاسم بخطاب في لبنان، حمل سلسلة اتهامات غير مسبوقة، وانتقادات مباشرة لكلّ المؤسسات: رئاسة الجمهورية، مجلس الوزراء، قرارات الدولة، والاتفاقيات الدولية، وكلّ من حاول الدفاع عن حق الدولة في حصرية السلاح. الخطاب لم يكن سياسيًا بالمفهوم البناء، بل أقرب إلى انقلاب رمزي على الدولة نفسها، مؤكدًا استمرار سياسة “الحزب” في تجاوز الدولة، والتحدّي المفتوح لكلّ القواعد الوطنية والدولية، وكأن أي سلطة لبنانية ليست سوى أداة ثانوية أمام قراره، وهو ما أثار رفض المجتمع اللبناني بالكامل، المحلي والدولي، وأظهر مرة أخرى أن خطاب “الحزب” لا يبني وطنًا ولا يحمي مصالح اللبنانيين، بل يرسّخ منطق القوّة الفردية والسيطرة على الدولة.

 

في ظلّ هذا المسار، لم تُبنَ دولة قوية ولم يُترك اقتصاد يتعافى ولم يُسمح لقضاء مستقل أن يعمل بحرية. كل تسوية سياسية كانت تمرّ عبر ميزان القوة، وكل إصلاح كان يتوقف عند حدود السلاح. لم تُخض معركة حقيقية ضد الفساد، بل توفرت له مظلّة حماية بحجة الأولويات الكبرى، فتعطّلت المؤسسات وشُلّ القرار وبقيت الدولة معلّقة.

 

الفجوة بين الخطاب والواقع باتت صارخة. تُرفع شعارات الكرامة فيما اللبناني يفقد أبسط مقوّمات العيش، وتُرفع شعارات السيادة فيما القرار الوطني مرتهن، ويُتحدّث عن الحماية فيما الوطن مكشوف اقتصاديًا وسياسيًا. هذه الفجوة لم تعد قابلة للردم بالكلمات ولا بالشعارات، لأن الواقع اليومي للناس يفضحها.

 

هذه المقالة ليست دعوة إلى الإقصاء ولا إلى الصدام ولا إلى الفوضى، بل دعوة صريحة لتحمّل المسؤولية التاريخية. لبنان لا يُبنى بسلاح خارج الدولة، ولا يُحكم بمعادلات الأمر الواقع. إما دولة واحدة بقرار واحد، أو انهيار دائم. التاريخ لا يرحم من صادر وطنًا باسم حمايته، والشعوب لا تنسى من أخذ منها المستقبل ولو رفع أسمى الشعارات. النداء واضح وأخير، أعِد القرار إلى الدولة، قبل أن يُسلَّم الوطن لحكم التاريخ.