IMLebanon

مشهد المراوحة يتفوّق لبنانياً ما دام لا اختراقات متوقعة إقليمياً قبل الصيف

 

أي تأثير للمحور الإسرائيلي – الروسي المتنامي على إيران وأذرعها وشريانها السوري؟

 

يقول أحد الخبراء العسكريين العاملين طويلاً في عالم الاستخبارات «إن لا إرهاب في أوروبا والشرق الأوسط إلا بتحريك إيراني، حتى لو كانت الأدوات «داعش» و«القاعدة». وهذه الحقيقة يعرفها جيداً أصحاب القرار سواء في أميركا أو روسيا أو إسرائيل أو تركيا». ففي اليوم الأول من ولاية جو بايدن، ترحّب طهران بالوافد الجديد إلى «البيت الأبيض» على طريقتها، وتختار بغداد مكاناً.

 

لا وهم لدى أي من المتابعين أن المنطقة مقبلة سريعاً على حلول، وكذلك لبنان الذي يعيش معضلات عدة. الجميع ينتظر الإدارة الأميركية الجديدة لتطرق باب الملف النووي مع إيران، لكن ذلك سيأخذ وقتاً. فحتى لو سارت التعيينات بسلاسة أكثر مع سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس بمجلسيه، فإن الاعتقاد السائد أن أولويات الإدارة هي داخلية بامتياز، حيث إن وباء كورونا والأزمة الاقتصادية والانقسام في المجتمع الأميركي يشكلون تحديات قوية أمام بايدن ولا سيما في أول 100 يوم من ولايته، وما بعد ذلك بشهور، ما يُبقي الوضع في الإقليم على ما هو عليه من ساحات مفتوحة على النزف والاستنزاف، وعلى عملية الحفاظ على الأوراق التي بيده وتحصينها وتحسينها في آن.

 

فالحسابات راهناً لدى «محور إيران» تنطلق من أن إعادة تقييم شاملة لا بدّ منها على ضوء المرحلة الانتقالية، ولن تبدأ المعطيات بالنضوج لتبلور الصورة قبل مطلع الصيف. الاستراتيجية التي ستلجأ إليها طهران في هذا الوقت هي استراتيجية خلق وقائع جديدة والضغط على الساحات بغية أن تُقايض بها عند الجلوس إلى طاولة التفاوض، بحيث تُصبح العودة عن تلك الوقائع الثمن الإضافي المطلوب أن تدفعه، في وقت بدأت الإدارة الأميركية الجديدة ترفع من سقفها بالإعلان عن وجوب مناقشة مسائل أخرى إلى الملف النووي، ولا سيما ملف الصواريخ البالستية والسياسة الإيرانية في المنطقة، الأمر الذي ترفضه إيران، ولن ترضخ له بسهولة.

 

لا ضرورة تُملي على «حزب الله» لفرض كلمته في شأن تأليف الحكومة… وكل من الأطراف لن يتخلى عن مواقع قوّته

 

فسياسة التمسّك بأوراق القوة وتعزيزها وخلق وقائع جديدة ستكون عنوان الفترة المقبلة إيرانياً، ولن يكون لبنان بمنأى عن تلك السياسة، في رأي متابعين مناهضين لـ«محور الممانعة»، الأمر الذي سيُترجم وفق قراءتهم مزيداً من الضغوط في الداخل. لكن ثمّة من يرى على مقلب «حزب الله» أن لا تبدلات في المشهد اللبناني. فحال المراوحة أو «الستاتيكو» سيبقى على حاله لأشهر، ومرشح أن يتفوّق على مشهد حدوث اختراقات إيجابية تؤول إلى حكومة يُفترض بها أن تُدير الأزمة.

 

الأكيد وفق هؤلاء أن «حزب الله» لن يُقدّم هدايا ولن يفعل غيره ذلك. الكل سيتمسّك بما لديه من عناصر قوّة على ضفتي الحلفاء أو الخصوم. يقول أحد اللصيقين بـ«الحزب» إن تعقيدات عدّة تفرض نفسها على الوضع الداخلي، فهناك حالة لا ثقة ومقاربة مختلفة دستورياً بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف في ما خص مفهوم الشراكة في عملية تأليف الحكومة. كما أن عملية الإرث السياسي لرئيس الجمهورية تطغى على الحسابات السياسية لديه في ما تبقى من عهده، فضلاً عن حساباته وحسابات حلفائه في ما يتعلق بالساحة المسيحية، إضافة إلى حسابات ما ستفرزه المنطقة من موازين قوى مستقبلية ستترك تأثيراتها الطبيعية على المشهد اللبناني.

 

ما يتجنّب أحد اللصيقين بـ«الحزب» الغوص فيه هو مدى قدرة «حزب الله» على التأثير على حليفه المسيحي من جهة، أو الاستجابة لما يطلبه منه هذا الحليف من جهة ثانية. فالصورة معقدة، حيث إن «وريث الرئيس» دفع ثمناً سياسياً باهظاً لالتصاقه بـ«الحزب» والغطاء الذي وفّره له، وإزاء ذلك بات صعباً تحميله أكثر، فيما يعاني عقوبات أميركية وعزلة دولية. ويعي «الحزب» أن عون وجبران باسيل يلقيان عليه مسؤولية فتح الطريق أمام عودة سعد الحريري إلى الحكم، والذي اعتبر باسيل أنه نجح في إقصائه عن سدّة الرئاسة الثالثة والإتيان بآخر إليها. وفي المقابل، يُدرك «حزب الله» أن وجود الحريري يضبط داخلياً العلاقة السنية – الشيعية الهشّة، وأنه الأكثر قدرة على تقطيع المأزق الاقتصادي – المالي بالانفتاح على الخارج الذي يضرب حصاراً على لبنان، وهو يسير على خط مستقيم في العلاقة مع «حارة حريك». ولعل العامل المهم أن «الحزب» قادر على الانتظار إلى حين تبيان معالم المرحلة المقبلة إقليمياً، وليس من «ضرورة» تُملي عليه أن يفرض كلمته، وإن شعر بذلك، فلن يتوانى بغض النظر عن الأكلاف.

 

على أن ثمة من يقرأ مستقبل الوضع عموماً من زاوية التحوّلات الجديدة في الشرق الأوسط على وقْع اتفاقات التطبيع مع إسرائيل، والتي ظهر فيها اسم النظام السوري من بين الدول المرشحة لذلك برعاية روسية، ذلك أنه في عملية التقييم لصورة المنطقة لا بدّ من التوقف عند المحور الإسرائيلي – الروسي الآخذ بالترسّخ أكثر فأكثر مع دور موسكو في سوريا وحساباتها الاستراتيجية فيها، فضلاً عن المصالح المشتركة بين البلدين ودور اليهود الروس في كلا البلدين. هذا المحور الإسرائيلي – الروسي، في رأي الخبير العسكري ذات الباع الطويل في عالم الاستخبارات، يتمتع بحرية قد تفوق في حركتها المحور الإسرائيلي – الأميركي على المقلب السوري، ما يجعل طهران وأذرعها العسكرية ومناطق نفوذها التي تتغذى من الشريان الحيوي السوري على المحكّ، بما يتجاوز الضربات الجوية التي تطال مراكزها إلى تهديد أصل وجودها فيه وصولاً إلى نفوذها في لبنان الذي لن يكون أبدياً!.