IMLebanon

ما بعد النصيرات ليس مثل ما قبلها

 

إستمرار المجازر الإسرائيلية بهذه الوحشية المتفلِّتة من ضوابط القانون الدولي، لا يُعتبر إستهدافاً للشعب الفلسطيني وحده، بقدر ما يشكل تحدياً للنظام الدولي، الذي بدأ يترنح تحت ضغوط الحرب الهمجية في غزة، وعدم قدرة المجتمع الدولي على وقف حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين.

حتى الولايات المتحدة الأميركية فقدت الكثير من هالة «القوة الأعظم» في العالم، بعد مسلسل الفشل للإدارة الحالية في وقف الحرب المستعرة على غزة، وتمرد «الحليف المدلل» في تل أبيب على النصائح الأميركية، وعدم الأخذ بطروحات البيت الأبيض، وخاصة ما يتعلق منها بحل الدولتين، كمدخل لا بد منه، لإرساء قواعد السلام والإستقرار الدائمين في الشرق الأوسط.

 

ومبادرة بايدن الأخيرة لوقف الحرب وإطلاق الرهائن والأسرى، لا تشكل فرصة جديدة لإمتحان مدى قدرة واشنطن على إدارة الأزمات الساخنة، والحروب التي تهدد الأمن والسلام في العالم وحسب، بل وأيضاً تضع النفوذ الأميركي مع الحلفاء على المحك، رغم كل الدعم العسكري والمالي والديبلوماسي الذي حظيت به الدولة العبرية من الولايات المتحدة، منذ اليوم الأول لإندلاع حرب غزة قبل تسعة أشهر.

ويبدو أن إدارة بايدن التي تُعاني من إنعكاسات الحرب السلبية على حملة الرئيس الطامح للبقاء في البيت الأبيض لولاية ثانية، بدأت تشعر بأهمية ممارسة بعض الضغوط على طرفي النزاع، لإنتزاع موافقتهما على المبادرة الرئاسية لوقف إطلاق النار.

 

وعملية تحرير الأسرى الإسرائيليين الأربعة من مخيم النصيرات بمساعدة إستخباراتية أميركية، يمكن إعتبارها أولى طلائع الضغوط الميدانية على الطرفين في وقت واحد. ومجرد إعتراف تل أبيب بالمساعدة الأميركية في هذه «العملية المعقدة»، كما وصفها نتانياهو نفسه، فهو نوع من التسليم بعجز الجيش الإسرائيلي على الوصول إلى الرهائن، وتحريرهم من أسر حماس، رغم مضي تسعة أشهر على شن حرب الإبادة والتدمير الشامل على غزة ومدن القطاع. وهذا المشهد يُعيد للذاكرة المساعدة الأميركية والأطلسية للدولة العبرية في التصدي للهجوم الإيراني بمئات الطائرات المسيَّرة والصواريخ الموجهة، وإسقاط معظمها قبل الوصول إلى أهدافها. مما يؤكد مرة أخرى أن عهد الغطرسة الاسرائيلية قد إنتهى، وأن «الجيش الذي لا يُقهر» لا يستطيع «حماية الدولة والشعب»، كما يتردد في الصحافة الإسرائيلية هذه الأيام.

وعملية النصيرات، من جهة أخرى، شكلت ضغطاً أميركياً واضحاً على حماس، التي لم تعلن تجاوبها بعد مع خطة بايدن، فكان أن لوّحت الإدارة الأميركية بخطوات ديبلوماسية موجعة، عندما طلبت من الدوحة طرد قيادات حماس من أراضيها، وعندما لم ينفع ذلك التهديد في تليين الموقف الفلسطيني، وتظهير الموافقة المطلوبة على الصفقة المطروحة، يبدو أن واشنطن إتجهت إلى العمل الميداني، والمساهمة الإستخباراتية في عملية النصيرات، وتوجيه رسالة واضحة لحماس بقدرة التدخل الأميركي على الوصول إلى الرهائن، مما سيؤدي إلى فقدان أهم أوراق التفاوض من يد المفاوض الفلسطيني في الدوحة.

من المبكر التكهن بنتائج الضغوط الأميركية النوعية على طرفي الحرب في غزة، ولكن منطقية الأمور تقضي بأن يعود كل طرف إلى مراجعة حساباته الميدانية واللوجستية، وإعادة النظر ببعض المواقف السياسية والتفاوضية، تجنباً لمزيد من الضغوط من واشنطن، التي يبدو أنها بدأت تفقد صبرها بعد إقتراب موعد الإنخراط الكلي في الإنتخابات الرئاسية، وتعمل على تحسين صورة بايدن بمواجهة منافسه الجمهوري المثير للجدل ترامب.

وفي كل الحالات، لقد أثبتت عملية النصيرات فشل حرب الإبادة التي تشنها حكومة نتانياهو على القطاع، في تحقيق أهدافها المرسومة، سواء بالنسبة للقضاء على قيادة حماس وتفكيك بنيتها العسكرية، أو حتى بالنسبة لإطلاق الرهائن وإعادتهم إلى أهلهم سالمين، وشعار «تحقيق النصر المؤزر»، الذي أطلقه نتانياهو في الأيام الأولى للحرب، تحوّل إلى موضوع للسخرية والتهكُّم في الأوساط السياسية والإعلامية في تل أبيب.

وكل هذه المعطيات ترجح التوقعات بأن ما بعد عملية النصيرات ليس كما قبلها.