IMLebanon

بندُ «الشراكة المسيحية» في أيّ حوار

على رغم أنّ الملفات كافة قد استُهلِكت في لبنان، وكثر اللغط في شأنها والكلام والأخذ والرد، ثمّة مؤشرات إيجابية يمكن للمتابع عن كثب التقاطها ووضعها في مسارها الصحيح.

ثلاثة أرباع الأزمة في لبنان تأتي من الخارج، وعليه فإنّ مجمل الحلول والتفاهمات ومحاولات التهدئة يكون مردّها رغبة أو إرادة خارجية، وقرار «كبير» يجعلها ممكنة وسهلة ومُتاحة أمام اللبنانيين.

من الواضح أنّ النزاع الروسي – الاميركي يشتدّ، ويتَّخذ منحى الحرب الباردة بشكلٍ مختلف وجديد. أميركا تضغط على خاصرة موسكو في أوكرانيا ومجمل «الحديقة الخلفية» للاتحاد الروسي، وقد اتَّخذ هذا النزاع نمَطَ الحرب بمعانيها الاقتصادية والسياسية، وجاء خفض سعر النفط ليزيد الاشتباك تعقيداً، ويجعل موسكو تستشرس وتتشدّد في الملفات ومواقع النفوذ الحيوية التي تعنيها.

الملف السوري واحد من ملفات النزاع بين الدولتين العظميَين، وكلّما ضغطت واشنطن على الجرح الروسي في أوكرانيا والقوقاز، ازدادت روسيا تصلّباً في سوريا وزادت من مساعيها إلى إخراج الاميركيين وحلفائهم بأضعف الاحوال، إضافة الى استخدام أوراق كثيرة بوصفها ألغاماً تُفجّر في وجه واشنطن حيث أمكن.

الاميركي الذي يُدرك هذا القرار الروسي، يعمل على تفكيك ما أمكن من ألغام، ويحاول من خلال الحوار مع إيران والضغط على الصين، تحييدَ ما أمكنه من أوراق ومشكلات قد يستفيد منها الروس في معركة صعودهم الدولي وحماية أمنهم الاستراتيجي.

في سياق فكفكة الألغام، يمكن فهمُ الحديث الاميركي عن «فتح صفحة جديدة مع كوبا»، وفي السياق ذاته جاء تعاون الاميركيين مع الايرانيين في العراق بعد غزوة «داعش» الاخيرة في حزيران الماضي، ودفعهم السعودية الى سياسات اقلّ تشدّداً في المنطقة، واختبرت احتمالات التفاهم السعودي

– الايراني انطلاقاً من الوضع العراقي، وتُرجمت هذه السياسات في تسريع تكوين السلطة العراقية، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية ورئيسين للحكومة والمجلس النيابي.

في الإطار نفسه، وضمن الأسباب ذاتها، جرى العمل على احتواء «الوضع اللبناني»، ومنع الانفجار مهما كان الثمن، والتقطت عواصم إقليمية وجِهات محلية هذه الفرصة وطرح الحوار بين «حزب الله» وتيار «المستقبل»، على أمل تحريك المشكلات اللبنانية العالقة وإعادة تكوين السلطة التي تبدأ حكماً من انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والاتفاق على رئيسَين جديدَين للحكومة والمجلس النيابي.

هذه الرغبات الدولية والاقليمية لا تعني أنّ الحوار سينجح في تذليل كلّ العقبات، خصوصاً ملف رئاسة الجمهورية، لكنها تترك أثراً إيجابياً يسمح للبنانيين بأن يتقاربوا ويعملوا على إرساء التهدئة ومزيد من الاستقرار الذي يتيح إجراءَ انتخابات رئاسية، يعقبها حكماً تأليف حكومة برأس جديد، والعمل على تقريب موعد الانتخابات النيابية.

الحوارُ المرتقب بين «حزب الله» وتيار «المستقبل» يسير في الاتجاه الصحيح، ويبدو أنّه بات قريباً بالاستناد الى كلام رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وقد تكون تصريحات العماد ميشال عون الاخيرة، إشارة جدية إلى أنّ الحوار سيبدأ قريباً، ويبدو أنّ «الجنرال» يستبق هذا الحوار برفع السقف عالياً حتى لا يأتي أيّ تقارب «سنّي – شيعي»، على حساب المسيحيين، وهذا يعني أنّ طرفَي الحوار سيكونان مضطرَين للوقوف عند رأي عون عندما يصلان في جدول الاعمال الى بند رئاسة الجمهورية.

هنا ثمّة إشارات متناقضة، وأحاديث بأنّ رئيس تكتل «التغيير والاصلاح» تلقى كلاماً واضحاً من جهات دولية رفيعة تدعوه فيه الى عدم الرضوخ لمنطق التسوية على حسابه وحساب المسيحيين، وفرض «الشراكة المسيحية» على جدول أعمال حوار «حزب الله» – «المستقبل». وهذا ما يطرح منذ الآن اسئلة كثيرة حيال المدى الذي يمكن أن يصل اليه الحوار، والهامش المتاح للطرفين، والنتائج المرتقبة في العمق بعيداً من الصورة وتعزيز الاستقرار وتخفيف التشنّج.