IMLebanon

نعيم قاسم على “طريق القدس”

 

 

من أخطر ما يصيب الجماعات الأيديولوجية المسلحة ليس الهزيمة العسكرية، بل العجز عن الاعتراف بها، والإصرار على إعادة إنتاج الشعارات نفسها بعدما أثبت التاريخ أنها كانت المدخل الأوضح إلى الخراب. ففي لبنان، لم تنفجر الكوارث الكبرى بسبب خلافات سياسية عادية أو نزاعات على حقوق أو مناصب، بل بسبب تحويل القضايا إلى شعارات عابرة للواقع، فُرضت على دولة ضعيفة، واستُخدمت لتبرير حمل السلاح وتعليق منطق الدولة.

 

هذا المقال ليس استعادة للتاريخ من باب السجال، بل مواجهة مباشرة مع منطق أثبت خطورته. فالخطر، كما تُظهر التجربة اللبنانية بوضوح فاضح، يكمن في تحويل الشعار الوهم إلى عقيدة سياسية وعسكرية تُقصي السياسة، وتستبدل الدولة بالبندقية، والمجتمع بـ “الحاضنة”.

 

حين أعلن نعيم قاسم أن “السلاح لن يُسلّم”، لم يطرح موقفًا دفاعيًا ولا رؤية ردعية، بل كرّر منطق الوهم نفسه وهو منطق يعتبر أن لبنان ليس وطنًا نهائيًا، بل مجرّد ساحة، وأن سيادته مؤجلة إلى أجل غير مسمّى، وأن استقراره تفصيل يمكن التضحية به باسم “قضية أكبر”. هذا المنطق ليس جديدًا، وقد سمعه اللبنانيون سابقًا بصيغة أكثر وقاحة: “طريق القدس تمرّ بجونية”.

 

لم يكن هذا الشعار، الذي أطلقه صلاح خلف (أبو إياد)، زلّة خطابية ولا اندفاعًا عاطفيًا، بل إعلان نوايا صريحًا. لقد قال بوضوح إن المدن اللبنانية ليست سوى محطات حرب، وإن المجتمع اللبناني مجرّد أداة. وكانت النتيجة معروفة: انفجار داخلي، تعبئة طائفية، وحرب مدمّرة دفعت فيها الدولة اللبنانية وحدها الثمن، فيما بقيت القدس بعيدة كما كانت.

 

منذ اتفاق القاهرة عام 1969، فُتح لبنان أمام السلاح غير الشرعي بذريعة المقاومة. لكن هذا السلاح لم يوجَّه حصرًا نحو إسرائيل، بل استدار إلى الداخل، فرض مناطق نفوذ، وحوّل أجزاء واسعة من البلاد إلى دويلات، قبل أن يغرق لبنان في اقتتال شامل. هنا تتكشف الحقيقة كاملة: الشعار حين ينفصل عن الواقع اللبناني لا يقود إلى التحرير، بل إلى التفجير.

 

والتجربة الفلسطينية في الشتات تفضح هذا المسار بلا لبس. من أيلول الأسود في الأردن، إلى الحرب اللبنانية، إلى فوضى المخيمات، بسبب تعامل القيادات مع الدول المضيفة كأراضٍ مستباحة، ومع المجتمعات كوقود معارك. وحين يعلو السلاح على الدولة، تكون النتيجة دائمًا واحدة: الدمار.

 

الأخطر أن هذا المنطق لم يُدفن عام 1982 مع خروج منظمة التحرير من لبنان، بل أُعيد إنتاجه بلباس جديد. من تصدير الثورة الإيرانية ونشوء “حزب الله”، إلى سرايا ما يسمى المقاومة مرورًا بالمنظمات الإخوانية العسكرية وغيرها …!

 

من هنا، فإن خطاب نعيم قاسم لا يمكن التعامل معه كتصريح سياسي. فالإصرار على أن “السلاح لن يُسلّم” ليس دليلًا على قوة، بل اعتراف ضمني بفشل مشروع الدولة. إنه امتداد مباشر لمنطق ثبت إفلاسه: منطق الشعار الذي يُرفع فوق الدستور، ويُستخدم لتكريس واقع استثنائي دائم.

 

كل الشعارات التي زعمت أن تحرير فلسطين يمرّ عبر عواصم عربية انتهت إلى النتيجة نفسها: عمّان كادت تُدمّر، بيروت دُمّرت، بغداد انهارت، دمشق استُنزفت، واليمن ابتُلع في حرب بلا أفق. لم تتحرر القدس، لكن الدول تكسّرت واحدة تلو الأخرى.

 

لبنان اليوم لا يحتمل استمرار الكذبة. فهو دولة منهكة اقتصاديًا، مفككة سياسيًا، ومجتمع يدفع ثمن “السلاح الدائم” من أمنه ولقمة عيشه ومستقبله. ومن يصرّ على إبقاء هذا السلاح باسم “الحماية” يتجاهل – أو يتعمّد تجاهل – أن هذا السلاح نفسه كان المدخل التاريخي لعزلة لبنان، وحروبه، واحتلاله، وانهياره.

 

فالقدس لا تُحرَّر عبر جونية، ولا عبر القرى الجنوبية التي دُمّرت مرارًا باسم “الردع”، ولا عبر تحويل وطن صغير إلى رهينة دائمة. القدس، إن كان لها طريق، يمرّ عبر دول ذات سيادة، لا عبر شعارات جوفاء. أمّا حين تنفصل الشعارات عن الواقع، فهي لا تصنع مقاومة، بل تكتب فصول دمار جديد للبنان.