IMLebanon

حتى لا يتكرّر نموذج شادي المولوي من جديد

 

شكّلت حالة شادي المولوي نموذجاً للتشظي والضياع الذي عاشه وما زال يعيشه شباب لبنانيون انخرطوا في صفوف المجموعات الجهادية وتناثروا في أرجاء المحيط العربي بعد أن شكّلوا حالة صدامٍ داخلية عنيفة كانوا وقودها فاحترقوا وتحوّلوا مطارَدين يسقطون في حُفر الموت تتصيّدُهم الأنظمة وتدفع بهم صراعات الجماعات إلى خنادق الاقتتال في حروب متوالدة دفع أهل السنة أثمانها باهظة في لبنان والمنطقة، وها هو اسم المولوي يعود اليوم من باب القبض عليه في إدلب من قبل «هيئة تحرير الشام» في سياق صراعٍ داخلي يؤدّي إلى استهداف قسم من اللبنانيين المنضوين في إطار الجبهة.

 

تناقلت وسائل إعلام المعارضة السورية أنباءً عن اعتقال عناصر الأمن العام التابع لـ»هيئة تحرير الشام» وبأمر من زعيم «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني ستة محققين أبرزهم المحقق العام «أبو حمزة الدرعاوي» المسؤول العام عن عمليات اعتقال جرت حديثاً تحت مسمى «خلايا العملاء»، حيث شملت عملية الاعتقال المحقق «أبو عدي درعا» والمحقق «أبو المقداد» والمحقق اللبناني شادي المولوي بسبب قيامهم بأعمال تعذيب وتنفيذ أحكام الإعدام بحق المعارضين لـ»هيئة تحرير الشام» وعلى رأسهم مقاتلو فصائل «الجيش الحر»، وذلك بسبب التعذيب الذي تعرض له المفرج عنهم أخيراً حيث ظهرت على أجسادهم آثار تعذيب شديد على أيدي المحققين المذكورين.

 

لا يمكن الجزم بصحة أسباب اعتقال المولوي لأنّها تأتي في سياق صراعات تفتك بـ»جبهة تحرير الشام» وتضع زعيمها الجولاني أمام تحديات كبيرة مع خروج قياديين كبار على قيادته وأبرزهم الرجل الثاني والأكثر تأثيراً في الجبهة ميسر بن علي الجبوري الملقّب «أبو ماريا القحطاني» وجهاد عيسى الشيخ الملقب بـ»أبو أحمد زكور». لكن يبدو أنّ قسماً هاماً من اللبنانيين المنتمين للجبهة هم في صفوف معارضي الجولاني أو أنّه يصنّفهم كذلك، وهذا ما أوصل المولوي إلى الاعتقال.

 

لم يبقَ جهاز مخابرات إقليمي ودولي إلاّ واستثمر في تنظيم «داعش» وفي التنظيمات التي تحمل الصفات الجهادية التي تشكّلت بدفعٍ مشبوه من قيادات خرجت من السجون السورية والعراقية ووجدت تسهيلات وتواطأً لا يخفى على من يرى بعين العقل حقيقة الأحداث. وهذا ما يفسِّر حجم الدمار الذي تركته وتتركه في العالم السني، فهدف هذه الحركات كان دوماً استهداف البنية السنية السياسية والاجتماعية ومكانتها في الدول العربية بشكل خاص لصالح تحالف أقليّات فتك بأربع عواصم عربية وأنهك دولاً أخرى.

 

لم تجذب الفصائل الوطنية السورية الجهاديين من اللبنانيين والأجانب بل استقطبهم تنظيما «داعش» و»جبهة تحرير الشام» («النصرة» سابقاً) واندفعت أعدادٌ منهم للقتال في سوريا في صفوف هذين التنظيمين وبعض فروعهما، كما أنّ إدلب شكّلت قِبْلَةً لأعداد من الشباب اللبنانيين الذين توهّموا أنّها أرض الإمارة الإسلامية الموعودة فغادروا الأراضي اللبنانية بعضهم لأهدافٍ عقائدية وآخرون كانت هجرتهم أشبه بالهجرة الاقتصادية بعد أن سُدّت في وجوههم سُبُل الحياة.

 

دخل شادي المولوي باكراً ميدان المغامرة والاصطفاف في دوائر المجموعات الجهادية بعد المحاولة الشهيرة لاعتقاله ثمّ خروجه تحت ضغط الشارع عندما كانت هويته العقائدية ملتبسة وغير واضحة ثمّ ما لبث أن انحاز إلى التنظيمات الجهادية في سوريا وشارك في صدامات عدة مع الجيش اللبناني والتجأ إلى مخيم عين الحلوة ومنه خرج إلى الأراضي التي تسيطر عليها هذه التنظيمات في الداخل السوري.

 

ومثل شادي فقدت عائلات لبنانية المئات من أبنائها الذين تحوّلوا إلى مطلوبين ومتهمين ومطارَدين في أصقاع الأرض، ومنهم فتيانٌ تسلّلوا من أسرّتهم فجراً ليغادروا إلى سوريا والعراق فلا يعلم أهاليهم مصائرهم إلاّ عندما يأتيهم نبأ مقتل أحدهم وتصلهم صوره عبر وسائل التواصل فتزيد آلامهم آلاماً.

 

مسارات للعمل عليها

 

هي لوثة التطرّف التي ما تكاد تنطفئ حتى يتجدّد اشتعالُها لأنّ الفراغ في الساحة الإسلامية ما زال مسيطراً على المستوى الفكري والديني في مواجهة هذه الآفة. فالأجيال المسلمة متروكة لنهب تيارات التطرّف التي أصيبت بهزائم كبيرة لكنّها لم تنتهِ ولذلك فإنّ هناك مسارين ينبغي العمل عليهما:

 

ــ على المستوى الإسلامي هناك حاجة للانتباه إلى الأجيال الناشئة التي لا تجد الحماية الكافية من آفة التطرّف، وهذا يوجب التحرّك لصياغة موقف إسلامي جامع بين دار الفتوى وبين الحركات والجمعيات والهيئات الإسلامية، فلم يعد جائزاً مجاراة نغمة التطرّف الفكري لدى بعض الأوساط الشبابية من دون معالجة ومصارحة. فمجاراة هؤلاء ستعيد إنبات وحش التطرّف من جديد، بعد أن كانت منابعه على وشك التجفيف إثر سلسلة مؤلمة من التجارب الخطرة التي عاشتها الساحة الإسلامية.

 

من هنا، ينبغي مواجهة من يروِّج هذا الفكر حتى لو كانوا مشايخ يعتمرون العمامة أو يقفون خارج حدود دار الفتوى يسرحون في مصليات غير قانونية وغير خاضعة لقواعد عمل المرجعية الدينية، فهذا الملف ينبغي فتحه على مصراعيه من دون مسايرة ولا استحياء، ويجب أن يخضع الجميع لمعايير وسقف وثوابت دار الفتوى في الخطاب والتدريس الديني، خاصة بعد اكتمال نصاب دار الفتوى في طرابلس والشمال بوصول الشيخ بلال بارودي إلى أمانة الفتوى.

 

ــ المسار الثاني: هو مسار الاحتواء والعلاج والتقويم بالنسبة لشبابٍ تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والعشرين، بدأت تظهر على العديد منهم ملامح التطرّف والانعزال الاجتماعي، ومن مظاهر تحرك هؤلاء الاعتداء على شجرة الميلاد في طرابلس، وهؤلاء يشكّلون الخميرة المطلوبة للمشغلين الذين يراقبون نموّ هذه الظاهرة لاستغلالها وإعادة إحياء مشاريع العنف بأشكالها المختلفة.

 

لا يزال التراخي المرجعي والاجتماعي مع ظاهرة التطرّف يُنبِت نماذج متجدِّدة من شادي المولوي فتتكرّر التجربة من دون الإفادة من الأخطاء التي تتوالى وكأنّه لا اتعاظ من مصير من سبقوا نحو هاوية هذا الانزلاق المخيف نحو عالمٍ تسكنه أشباح المخابرات واختراقات الأنظمة وسذاجة الشباب الذين تأخذهم حميّة الدين إلى أفخاخ تجار الموت.