IMLebanon

هل تنجح الممانعة بضمّ الأردن إلى ساحاتها؟

 

 

مهما طالت حرب «طوفان الأقصى» ستنتهي على قاعدة خروج «حماس» من غزة وابتعاد «حزب الله» 10 كلم أقلّه عن الحدود، ما يعني خسارة إيران لورقتين أساسيتين، واحدة داخل الكيان الإسرائيلي وأخرى على حدودها، وهذا ما يجعلها تبحث عن ساحة جديدة قبل ان تعاود التحضير لعودتها إلى الحدود اللبنانية وداخل إسرائيل.

صدرت في الآونة الأخيرة مواقف عدة ضدّ الأنظمة العربية عموماً والأردن خصوصاً، مطالبةً الشعوب العربية بالانقلاب على حكامها من خلال «امتزاج الدم العربي في الشوارع العربية بالدم الفلسطيني في غزة»، وقد تصدّر هذه المواقف رئيس حركة «حماس» في الخارج خالد مشعل الذي «طالب الملايين من الأردنيين بالنزول المستدام إلى الشارع للانخراط في معركة طوفان الأقصى»، وقد لاقاه محمد الضيف، الرجل الثاني في «كتائب القسام»، الذي قال: «يجب إحداث انتفاضة شعبية من جماهير الأردن وسوريا ومصر والمغرب والجزائر»، الأمر الذي اعتبرته الدولة الأردنية تحريضاً ضدّها.

لم تأت هذه المواقف التحريضية ضدّ الدول العربية والأردن تحديداً من عدم، إنما مردّها لثلاثة أسباب أساسية:
السبب الأول، تلمُّس «حماس» فداحة الخطأ الذي اقترفته في «طوفان الأقصى» من خلال تسببها في حرب أكبر من قدرتها على مواجهتها، حيث وجدت نفسها متروكة من إيران التي تخشى بدورها الانخراط في مواجهة غير متكافئة تؤدي إلى ضربها من واشنطن وتل أبيب، فاعتقدت انّ بإمكانها تحريض الشعوب العربية ضدّ حكامها من أجل تهديد الأمن الإقليمي وتوسيع رقعة الحرب علّها توقف آلة القتل الإسرائيلية.
السبب الثاني، يعتبر محور الممانعة انّ تحريك الشارع العربي يضعه في وضعية رابح-رابح، فإذا تحركّت الأنظمة ومارست أقصى ضغوطها لوقف الحرب يكون الشارع أدّى وظيفته، كون استمرار الحرب سيقضي على «حماس» ويُبعد «حزب الله» عن الحدود ويُضعف محور الممانعة، وإذا نجحت الشعوب في إسقاط الأنظمة وفي مقدّمتها الأردن تكون الممانعة نجحت في ضمّ ساحة جديدة إلى ساحاتها.
السبب الثالث، كون إيران تبحث عن ساحة جديدة، إن لتعويض خسارتها المحتّمة للساحتين الفلسطينية واللبنانية الحدودية، وإن لاستغلال الحرب سعياً لمزيد من تمدُّدها، فتكون حرب «طوفان الأقصى» مناسبة لضمّ الأردن إلى وحدة ساحاتها في المنطقة، لأنّ مشروعها التوسعي لن يقف عند حدود الدول التي استقرّ فيها.

وما تعتبره طهران هدفاً هو في الحقيقة سياسة خبط عشواء ناتج من مأزوميتها في حرب دلّت إلى ضعفها وهشاشتها، وأسقطت شعاراتها بإزالة إسرائيل في غضون أيام، وتحولّت معها من الادّعاء بهجوم ساحق وماحق إلى الدفاع والتباهي باعتماد الصبر الاستراتيجي وعضّ الأصابع وتدوير الزوايا وتوسُّل إنهاء الحرب.
وما لا تدركه طهران ومعها «حماس» والأذرع الأخرى يكمن في الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى، انّ المشروع التوسعي الإيراني أصبح مكشوفاً لدى الدول العربية وشعوبها، وأحداث العقود الأخيرة كشفته على حقيقته بأنّه مشروع فوضى يستثمر في نقاط الضعف داخل الدول من أجل إسقاطها، ليتمكّن من إنشاء قوة غير شرعية يعمل على تدريبها وتسليحها وتمويلها، وتكون مهمّتها الأولى منع إعادة قيام الدولة تمهيداً للسيطرة على كامل هذه الدولة.
الحقيقة الثانية، انّ الشعوب العربية تؤيّد القضية الفلسطينية، ولكن لا تبدّيها على أولوية استقرارها، وقد اتعظت من تجارب غيرها وتحوّل دولها إلى ساحات حروب وفوضى، وبالتالي الدعوات إلى إسقاط الأنظمة وإحياء نظريات سلام الأنظمة لا الشعوب عفّ عليها الزمن، ولن يجد التحريض الإيراني الصدى لدى الشعوب العربية.
الحقيقة الثالثة، انّ الدول العربية التي تعاني من المشروع الإيراني التوسعي لن تسمح بمزيد من تمدُّد هذا المشروع، إنما على العكس تسعى في مرحلة أولى إلى وقف تمدُّده، وفي مرحلة ثانية إلى إعادة إيران إلى داخل حدودها الجغرافية، وستقف بكل قوتها إلى جانب الأردن ولن تتساهل مع محاولات تعميم الفوضى ونشرها.

الحقيقة الرابعة، انّ الأردن الذي أسقط في العام 1970 مشروع إسقاط الدولة لن يسمح في العام 2024 بأن يحقِّق مشروع الفوضى أهدافه، والأردن اليوم أقوى من الماضي، وإيران أضعف من الثورة الفلسطينية مطلع سبعينات القرن الماضي.
الحقيقة الخامسة، انّ الملك عبدالله الثاني كان أول من حذّر في العام 2004 بعد سقوط العراق في يد إيران من «الهلال الشيعي» الذي يمتدّ من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، وقد أضافت إليه صنعاء، وتسعى اليوم إلى إضافة عمان، ومن استبق الجميع بالتحذير من خطر هذا الهلال وضرورة التصدّي له لن يسمح نجله بضمّ الأردن إلى هلال الفوضى.
الحقيقة السادسة، انّ «طوفان الأقصى» أعاد تسليط الضوء على خطورة الدور الإيراني التوسعي المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط، وبالتالي هذا الدور بعد هذه الحرب سيصبح في موقع دفاعي وتراجعي ولن يعرف التمدُّد بعد اليوم في ظل التقاطع الدولي على ضرورة محاصرته سعياً لاستقرار غير ممكن ولوجه طالما انّ طهران تسرح وتمرح في هذا الشرق.
وتنمّ المحاولة الإيرانية التمددية نحو الأردن عن يأس وخوف من وصول مشروعها إلى الحائط المسدود واضطرارها عاجلاً أم آجلاً إلى الانكفاء والتراجع، فاعتقدت انّ تمدّدها نحو الأردن يعوِّض تراجعها في غزة ولبنان، وقد أصاب السيد حسن نصرالله بتوصيفه بأنّ ما بعد «طوفان الأقصى» غير ما قبله، وانّ هذه الحرب ستغيّر وجه المنطقة، وهذا الكلام دقيق، ولكن التغيير سيكون على حساب المشروع الإيراني، وأما حديثه عن المستقبل المحسوم لمصلحة محوره فمردّه إلى رغبته الهروب من الحاضر الذي يُحصي خسائره فيه، محاولاً الحدّ من هذه الخسائر من خلال حرف الأنظار عنها خشية على معنويات بيئته التي لم تكن تتوقّع التفوّق الكبير لإسرائيل، إلاّ انّ هذا المستقبل لن يكون إطلاقاً لمصلحته كما يَعِد بيئته، إذ لن تنتهي الحرب قبل ان تضمن إسرائيل أمنها لعقود مديدة داخل كيانها وعلى حدودها مع لبنان وسوريا، وهذا ناهيك عن مواجهة عسكرية محتملة بين تل أبيب وطهران في حال ردّت إيران على الاستدراج الإسرائيلي لها بقصف قنصليتها في سوريا.

وما أُطلق عليه بأيلول الأسود في العام 1970، وعلى رغم مآسيه، شكّل خشبة خلاص لدولة كانت ستتحول أشهرها وسنواتها إلى سواد كالح، على غرار لبنان الذي فشل في الحسم على طريقة الأردن، فدخل في جهنّم لم يخرج منها بعد، ولن يخرج منها قبل ان يُهزم رأس الممانعة، وفي اللحظة التي تسقط فيها الدولة الأردنية في الفوضى، لا سمح الله، يتغلغل محور الممانعة كالسرطان في جسم الدولة الأردنية محولاً إياها إلى ساحة فوضى وحروب ودمار وكوارث.
فلبنان يدفع ثمن سقوط الدولة بدءاً من العام 1967، ولو لم تسقط الدولة لما تمكنّت الثورة الدينية الإيرانية من اختراق النسيج اللبناني، لأنّ هذه الثورة تنتشر في الفوضى وتنمو في الفوضى وتتنفّس من الفوضى، وكل من ساهم او سكت او غض النظر عن السلاح الفلسطيني المنتهك للسيادة اللبنانية ساهم من دون ان يدري بالنتيجة العملية الكارثية في تقديمه لبنان على طبق من فضة لإيران.
ولا خوف طبعاً على الأردن بسبب وجود قيادة حكيمة وقوية وحازمة ولا تساوم على أمنها واستقرارها، ولا خوف بسبب الوعي الشعبي الأردني من محاولات استغلال عاطفته تمهيداً لتحويل حياته إلى جحيم، ولا خوف بسبب انّ عواصم القرار الغربية والعربية لن تسمح لطهران بأن تضمّ الأردن إلى ساحة من ساحاتها، خصوصاً انّ الأولوية أصبحت لتقليص ساحات الممانعة، وليس إفساح المجال أمامها نحو مزيد من التمدُّد.

ومحاولة طهران التعويض في الأردن ما ستخسره حكماً في غزة وحدود لبنان ستبوء بالفشل، ونهاية الحرب العسكرية لـ«طوفان الأقصى» ستطلق الحرب السياسية ضدّ دورها في المنطقة بالتوازي مع الحرب ضدّ مشروعها النووي، وكل يوم إضافي للحرب يعني المزيد من الخسائر لإيران، ولن تتمكّن من الحدّ من خسائرها إلّا بعد توقُّف الحرب، وهذا ما يفسِّر خشيتها من توسّعها وتوسلها توقُّف الحرب. والمستهجن انّها وفي عزّ مأزوميتها تحاول ان تهزّ عرش المملكة الهاشمية الذي لم يهتز في العام 1970 ولن يهتز في العام 2024 ولا في المستقبل، ومن اهتز فعلياً وفي العمق هو محور الممانعة، و«طوفان الأقصى» هي بداية النهاية لهذا المحور.