IMLebanon

قاضِِ… وقضاء

 

 

لا يشكّل قرار قاضي صور محمد مازح في حق السفيرة الأميركية ووسائل الإعلام مفاجأة مدوّية أو فضيحة من العيار الثقيل. فهو مجرد لقطة إضافية في مشهد الإهتراء العام الذي أصاب الدولة بفعل فشل السلطة بكل رؤوسها وأذنابها، وتشديد قبضة قوى الأمر الواقع على مفاصلها، وتحويلها أرضاً وشعباً ومؤسسات متاعاً قابلاً للحيازة والانتهاك.

 

بَيْدَ ان قرار مازح الذي أثار سخرية أو استنكار كثيرين، كونه يجتهد من غير علم واختصاص ويجذب نواصي القوانين للاستخدام الفئوي والخاص، ويتصدى لمواضيع انقسام مثل ان حزب الله “شأن داخلي”، يعيدنا بالذاكرة الى سؤال أبدي للسيد المسيح: “إذا فسُد الملح فبماذا يملَّح؟”. والقضاء هو “مِلح الدولة” ليس في لبنان فحسب، بل في أي مجتمع لا يريد ان يتفكك أو يسقط تحت سنابك المستبدين.

 

لا ضرورة لتذكير القاضي مازح بأن من أهم أسباب انهيار المؤسسات اللبنانية إغراقها بأتباع الميليشيات وأصحاب الانتماءات الحزبية. فهو موظف لدى الدولة اللبنانية وقراراته “باسم الشعب اللبناني”. وفي مجتمع متعدد ومتنازِع تعريفاً، فإن هذه الدولة هي نقطة اللقاء والتوازن الشرعي، لذا فحيادها واجب وضروري، ولا يعني أكثر من التزام القوانين والحس السليم، ولا شك ان القاضي اللبيب جانَبَ العنصرين في قراره “الهمايوني” الذي شكل سابقة مَعيبة بكل المعايير.

 

لئلا نصل الى هذا الدرك، كان مطلبُ اللبنانيين وثورتهم، ولا يزال، قيام السلطة القضائية المستقلة كونها أفضل مدخل للإصلاح. ويُشكر القاضي مازح على تسليطه ضوءاً إضافياً في هذا الاطار، إذ لا يجب الاكتفاء برفع يد “المنظومة” الفاسدة عن القضاء أو تطهيره من المرتشين بساعات ثمينة وليرات ذهب، بل يتوجّب اختبار حياد القضاة ونزاهتهم وعدم تمكينهم من مواقع إصدار الأحكام، إن قدَّموا ولاءهم الحزبي أو المذهبي أو الديني على موجبات قوانين الدولة والدستور اللبناني.

 

بديهيّ ان تكسر وسائل الاعلام الحرة قرار قاضٍ يهددها بالعقوبات اذا استصرحت أحد الدبلوماسيين. ونحن نشدُّ على يدها وسنحذو حذوها في أي حدث شبيه لأن سقف حريتنا ليس الدستور فحسب، بل قافلة شهداء الحرية على مرّ تاريخ لبنان وقيمة الحرية نفسها التي ترفض أي قمع وارتهان.

 

أما وزيرة الاعلام التي “تتفهم” قرار “الاستعجال” وتتوهم انها تدافع عن الحريات محاولةً تكريس وزارتها مرجعاً لما يقال ولا يقال، أو عبر إشراكها في المهمة “الجليلة” نقابةَ السلطة و”المجلسَ الوطني” للوصاية والانحياز، فنقول لها: ليتَكِ تريثتِ دهراً قبل ان تنطقي هذا الكلام.