IMLebanon

القضاء في البقعة الرمادية

 

 

تحرّك القضاء وقيامه بدوره كسلطة مستقلة من أبسط البديهيات في دولة ديموقراطية طبيعية. وفِي لبنان القضاء سلطة مستقلة في المبدأ، إلا أن ذلك لم يمنع المطالبة باستقلاليته في كل مناسبة، ولَم يحجب التدخلات من جانب قوى السلطة في تجيير عمله لمصلحتها، فكثر الحديث عن فساد ورشوة ومنافع طاولت هذا الجسم الذي ينبغي أن يكون ضمانة لحقوق الناس في دولة يسودها القانون.

 

وفي الانتفاضة الشعبية المستمرة يحتل القضاء مرتبة متقدمة. إذ إن الخلل في ممارسة السلطة طوال السنوات السابقة قاد إلى خلل في أدائه، فتحول إلى أداة قمع وانتقام، وجعلت سلطات الوصاية منه، أو حاولت، سلاحاً مناهضاً للحريات، خصوصاً حرية الرأي والكتابة. ولو عدنا قليلاً إلى الوراء لأمكننا تعداد عشرات بل مئات الاستدعاءات لأشخاص عبروا عن رأيهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وعشرات الدعاوى في حق صحف وصحافيين كتبوا منتقدين واقع الحال في السياسة والاقتصاد… وقامت الانتفاضة في عمقها واتسعت لتشمل فئات الشعب اللبناني كافة بسبب المسائل التي أثارها هؤلاء، من مدونين وصحافيين وكتاب، وهم تحولوا إلى عنصر أساسي فيها بل إلى طليعة في حمل قضاياها، وهذا هو دورهم السابق والراهن.

 

يتحرك القضاء الآن، في البقعة الرمادية بين سلطة متهمة عاجزة عن الاستجابة لمطالب اللبنانيين، وثورة شاملة من أجل التغيير إحدى ركائز انتصارها قيام القضاء العادل والمستقل. ولو سلمنا جدلاً بأن الاستفاقة على ملاحقة المتهمين بالفساد والإثراء غير المشروع، هي في صلب مطالب الانتفاضة، فإن المخاوف من منطق تصفية الحساب بين أركان الحكم تبقى ماثلة، وتصفية الحساب هذه لا تستثني في طموحاتها الانتفاضة والمنتفضين أنفسهم، ولنا في الادعاء المشين على المتظاهرين بحجة قطع الطرقات نموذج ودليل.

 

” كلن يعني كلن” هو شعار اللبنانيين الأصلي والأصيل، وضمانة الوصول إلى القضاء السيد المستقل هي في التمسك بهذا الشعار في ثورة لن تتوقف حتى نيل حقوقها.