IMLebanon

جنبلاط يرتفع نصف متر… لكنّه لا يطير!

هل فعلاً يخاف النائب وليد جنبلاط على موقعه كـ«بيضة» للقبّان السنّي- الشيعي؟ أم هو يبالغ في إبداء الخوف من باب لفتِ النظر، على طريقة «عرفَ الحبيب مكانه فتدلَّل»؟

إستأذنَ جنبلاط رفاقَ أيامه، في «تويتر»، وهم بالآلاف، لغيابٍ يستمرّ بضعة أيام. وقال في لهجة تَجمع المزاح بالجدّية، على طريقته: «لا بدّ لي من أخذ دورات متقدّمة في التأمّل التجاوزي الذي يقود إلى مزيد من الإرتفاع، وصولاً إلى السفر». فالآن أستطيع الإرتفاع نصف متر عن سريري في الصباح، ومع الدروس الجديدة سيُصبح في إمكاني الوصول إلى 10 أمتار… فوق السطح طبعاً».

هكذا، بالصدفة أو قصداً، بعثَ جنبلاط برسالة رمزية: إنّه ليس على الأرض… بل هو يكاد يطير!

لكنّه في المبدأ سيُسافر لأيام في إجازة عائلية. وتحدَّث بعض الأوساط عن إمكان استفادته من العطلة لعَقدِ لقاء بينَه وبين الرئيس سعد الحريري في باريس أو الرياض. فالسعوديّون في صَدد جولة من المشاورات مع بعض القوى الحليفة على الساحة، بدأت برئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، وتُستأنف بدعوة الرئيس أمين الجميّل، وربّما تشمل جنبلاط الذي توصَف علاقته بالمملكة بأنّها باتت في وضعية المستقرّ، بعدما مرَّت بمرحلة صعبة منذ إسقاط جنبلاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتسهيله ولادة الحكومة الميقاتية.

فالمملكة لم تُصلح الخطوط تماماً مع الزعيم الدرزي. وحصَرت خطوط التواصل معه، ضمن حدود، بالوزير وائل أبو فاعور ونجله تيمور. أمّا الإتصالات في بيروت عبر السفير السعودي علي عواض عسيري فهي ليست سيّئة.

وفي أيّ حال، إنّ لقاءَ الحريري والسعوديين به في هذه المرحلة – إذا حصل – من شأنه أن يخفّف من استيائه الناتج عن عدم مشاركته في الجلسة الأولى من الحوار الذي كان هو المشجّع الأساسي لانطلاقه. وكان كافياً لجنبلاط، من حيث الشكل، أن يشاركَ في الجلسة الافتتاحية ليشعرَ بالتعويض والتقدير لما بذله من جهود.

وبين جنبلاط والحريري تبقى هناك نقاط جديرة بالمعالجة، أبرزُها تلك المتعلقة بمستقبل الحوار الدائر. فجنبلاط يمتلك حصرية التشجيع على هذا الحوار. ويقول البعض: هو يمتلك الحقّ ببراءة اختراع الحوار بين الطرفين المذهبيّين، بمساعدة الرئيس نبيه برّي. وكان الأَولى أن ينطلق الحوار في حضوره.

لقد كانت هناك مآخذ لجنبلاط. فهو لم يكن يفضّل تمثيل تيار «المستقبل» في الحوار بالرئيس فؤاد السنيورة إلى جانب السيّد نادر الحريري. لكنّ الرئيس الحريري اختارَ المشنوق، ربّما بسبَب الجسور التي أقامَها مع «حزب الله» منذ وصوله إلى الداخلية.

وهذا الأمر أثارَ جنبلاط الذي وجَّه انتقادات إلى المشنوق، مراراً، على خلفية أدائه في الوزارة، وآخرها في ملفّ المخطوفين العسكريين، إذ قال: «همُّنا الأوّل حياة أسرانا بلا تمييز. والسؤال موجَّه إلى الآخرين في خليّة الأزمة، هل همُّهم حياة العسكريين، وماذا يفعلون؟» وهنا سمّى المشنوق.

كما وجَّه جنبلاط أيضاً انتقادات عنيفة إلى رئيس بلدية بيروت بلال حمد، المدعوم بقوّة حريرياً. ومن الطبيعي أن تتأثّر العلاقة بين جنبلاط و»المستقبل» بهذه المناوشات.

ولم يتعمَّد «المستقبل» انطلاقَ الحوار في غياب جنبلاط، بل دعاه إلى المشاركة في الجلسة الافتتاحية، شخصياً أو من خلال ممثِّل له، هو النائب غازي العريضي. لكنّ جنبلاط اختارَ أبو فاعور، ثم عدلَ عن فكرة المشاركة نهائياً. وثمَّة مَن يسأل: هل تمّ إحراج جنبلاط لإخراجه؟ لكنّ الأوساط القريبة من جنبلاط لا تريد إعطاء المسألة حجماً يفوق الحجم الذي تستحقّه.

ويبقى هناك ملف مؤثّر في تموضع جنبلاط السياسي هو ملف المحكمة الدولية. والواضح أنّ النائب مروان حمادة كان حريصاً في مداخلاته أمام المحكمة على المرافعة السياسية لا أكثر. وهذا له مدلوله بالنسبة إلى سياسيّ معروف بقربه وتعاطفِه الشديدين مع جنبلاط.

الوسيط بين الأقوياء… قوي!

وفي الخلاصة، يهمّ جنبلاط حاليّاً أن يحافظ على موقعه، فلا يذهب هو وطائفته «فرقَ عُملةٍ» في حوارٍ هو اخترَعه. فهو الساحر الذي جمَع الطرفين المذهبيّين إلى طاولة واحدة، في ذروة الصراع الإقليمي، فهل يجوز أن ينقلب السحر على الساحر؟

ويسأل كثيرون: يرتاح جنبلاط في موقعه الوسَطي، كـ»بيضة قبّان» بين المحورَين السياسيَّين «8 و14 آذار»، والمحورَين المذهبيين السنّي والشيعي. فالجميع يحتاج إلى رضاه لترجيح الكفّة في مصلحته. فإذا تفاهَم السنّة والشيعة، وتالياً «8 و14 آذار»، فما الحاجة عندئذٍ إلى «بيضة القبّان»؟

وفي الصورة، «المستقبل» يُحاور «حزب الله»، والعماد ميشال عون قد يحاور الدكتور سمير جعجع. أمّا جنبلاط الذي شجَّع الجميع على الحوار، فهو لا يحاور أحداً. وربّما هذه إيجابية تسجَّل لجنبلاط، لأنّه ليس في محور ضدّ آخر، لكنّ لهذا الأمر سلبياته أيضاً.

وإذا توافقَ المتحاورون على الملفات الساخنة، كقانون الانتخاب أو رئاسة الجمهورية، فقد يتدبَّرون أمورَهم في الداخل وينسون الوسيط في الخارج. فهل هذا الظنّ في مكانه أم هو مضخَّم؟

ويجدر التنويه بأنّ أوّل ما قام به المتحاورون في عين التينة، بعد جلستِهم الأولى، هو أنّهم أرادوا طمأنة جنبلاط، وأرسلوا إليه، كلٌّ مِن طرفه، الوزيرَ علي حسن خليل والسيّد نادر الحريري لوَضعِه في الأجواء. وميزةُ جنبلاط أنّه استطاع الحفاظ على ثقة القطبَين المتصارعين. فهو غادرَ «14 آذار» من دون أن يعاديَها، واقتربَ من «8 آذار» من دون أن يجاريَها.

لكنّ جنبلاط كان أقوى في المرحلة السابقة. فهو كان يتحصَّن في محور وسَطي ضمَّ الرئيس السابق للجمهورية ميشال سليمان والرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي، ليتمكّن من إعطاء موقعه الوسطي وزناً إضافياً. أمّا اليوم، فيبدو جنبلاط وحيداً في وسطيته. فموقعُ الرئاسة شاغر، أمّا رئيس الحكومة المعتدل تمّام سلام فهو في النهاية ينتمي إلى «المستقبل»، كما رئيس المجلس المعتدل جزء من «8 آذار».

وصحيح أنّ جنبلاط ذهبَ إلى الموقع الوسَطي اضطراريّاً، بضغط من «حزب الله» بعد 7 أيار 2008. لكنّ ذلك صبَّ في مصلحته، لأنّه أخرجَه من مركبِ «14 آذار» المترنِّح، ومنحَه أوراقاً يتفرّد بها ويحاذر فقدانَها. ففي موقعِه كـ»بيضة قبّان» استعادَ جنبلاط ميزات لطالما تمتَّع بها خلال الفترة السورية في لبنان، حيث لم تكن لا الحكومات ولا قوانين الانتخاب تُصاغ إلّا بعد التأكّد من ملاءمتها له.

وهذا التموضع يريد جنبلاط تعميمَه على كلّ المستويات، لحماية الدروز في لبنان وسوريا. فالسَبيل الأنجع لفرض الأقلّيات العددية نفسَها يكمن في أن تشارك عملياً في صناعة التسويات والحلول. ففي هذه الحال فقط، لا يمكن أن تمرّ الصفقات على حسابها. ويطبِّق جنبلاط شعار: إذا لم تستطع أن تكون الأقوى، فكن الوسيط، أو صانعَ التسويات بين الأقوياء!

وبعدما فشلَ في تسويق وساطتِه لحلّ الأزمة السورية، يجاهر جنبلاط اليوم بمحاورةِ «داعش» و»جبهة النصرة» من خلال تفويض شخصيّ أعطاه لأبو فاعور، فحوَّله الوزير تفويضاً لنائب رئيس بلدية عرسال أحمد الفليطي الذي يتواصل مباشرةً مع التنظيمَين.

وبعد الأحداث الدموية التي شهدَها جبل الدروز، لا ينفكّ جنبلاط عن توجيه الرسائل الإيجابية إلى «داعش»، وفي حدود تبلغ الصدمة أحياناً. ورسالة التهديد التي وجَّهها التنظيم إلى الحريري وجنبلاط وجعجع أخيراً، ردَّ عليها جنبلاط بعبارة واحدة، لها معانيها: «السلام عليكم!»

في الخلاصة، يعتقد المطّلعون أن لا خوف على جنبلاط ولا على موقعه ولا موقع الطائفة الدرزية، فهو يعرف تماماً كيف «يدير دَيْنة الجَرَّة». ورصيدُه كبير في عين التينة، حيث صديقُه الرئيس برّي يحفَظ له المكان والمكانة. أمّا «المستقبل» و»حزب الله» فلا مصلحة لأيّ منهما باستعداء جنبلاط.

في المقلب المسيحي، ما زالت الرابية تراهن على أنّ هناك رجلاً واحداً قادرٌ على حسم الملف الرئاسي هو جنبلاط، وكذلك معراب. أمّا بكركي فالعلاقات بها تاريخية، وأعاد إحياءَها مشهد جنبلاط وأولاده الثلاثة، وهم يقدِّمون التهاني بالأعياد للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.

في تغريدته على «تويتر»، يبدو جنبلاط على حقّ. فهو ربّما ارتفعَ نصفَ متر عن أرض الحوار السنّي- الشيعي، لكنّ المؤكّد أنّه قادرٌ على العودة إليها في اللحظة التي يريد.

فهو يمتلك الوزنَ الكافي لكي لا يطير. والضجّة التي يثيرها اليوم تشبه المحاولات التي يقوم بها العشّاق أو الأطفال عندما يريدون لفتَ النظر إليهم وزيادة الاهتمام بهم.