IMLebanon

إمّا الانقراض او التحرّر

 

كم من شعوبٍ استوطنت في مراحل معيّنة من التاريخ اماكن وزوايا من الكرة الارضية، وطبعتها باسمها، ولكنها زالت، امّا الجغرافيا فبقيت، والاسم كذلك. إن الشعوب تحلّ في مسار التاريخ مكان بعضها البعض بالغزوات المختلفة، ولكن العامل الاساسي الذي يحسم البقاء او الزوال لصاحب الارض هو نجاحه وحكمته في الدفاع عن الوجود والهوية، فحينها يتحدّد مصيره واستمرارية إرثه وتقاليده، فإن أحسَن في ذلك بقيَ، وإن لا، فالانقراض مصيره.

 

عندما تفشل الشعوب بتحديد نوعية الاخطار الحقيقية التي تُهدّد طبيعة عيشها ومعتقداتها وقيمها، يسهُل تسلّل الغزاة اليها، الذي قد يكون عسكرياً او امنياً، لكن الاخطر من ذلك الغزوات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي يدوم تأثيرها ربّما حتى الالغاء. إن حقيقة بقاء الشعوب لا يُقاس بالدم وبالجينات، بل بالفكر والثقافة ونوعية الاقتصاد، وهذا هو الخطر الداهم حالياً على الشعب اللبناني. فالمسألة الاثنية او الطائفية لا تُشكّل السرطان الذي ينخر بالجسم اللبناني، لأنّ هذا الجسم قد كسِب المناعة ضدّ ثغرات المجتمعات المُركّبة، وحوّلها الى غنى فريد ومناعة متحوّلة.

 

ما يُهدّد حقيقةً الهوية اللبنانية في هذا الزمن من تاريخ لبنان، هو التسلّل الالغائي الذي يقوم به “حزب الله”، بدعوته الاكيدة والمُعلنة والصريحة والمتأتّية من عقيدته الدينية المُستمدَّة من طبيعة نظام “الحرس الثوري الايراني”، المعاكسة تماماً لطبيعة الحياة اللبنانية، ويُشاركه التعديل الجدّي الذي يُجريه التيار العوني على النظام اللبناني لتحويله الى نظام الشخص، القمعي والفرضي المصحوب بالدعاية الغوبلزية ضدّ المعارضين الاحرار. لم يعد يجوز الشك بنيات الفريقين وعداوتهما للنظام الديموقراطي التشاركي.

 

إنّ المستجدّات التي يمرّ بها الشعب اللبناني تحت حكم هذين الفريقين، تُشكّل تحدّياً في العمق لأحرار هذا البلد، وللتحرّريين الجدد وللمؤمنين بإعادة بناء الدولة مؤسسات وسيادةً، على أسس الحرّيات والادارة المتطورة. وهنا تكمن حقيقة الصراع الوجودي، اي بين الاستمرار بالتخلّف الذي يُسيطر على البلد وبين التحرّر منه، وكل المواجهات الاخرى اليومية هي انعكاس للصراع الاساسي وتفرّعاً منه، وما الامعان في الخوض بها الا إبتعاداً عن معركة الحرّية والتحرّر، وتضعضعاً وتشرّذماً يستفيد منه الفريق المُسيطر. لكلّ فريق سياسي الحقّ بطرح بدائل عن الانظمة السارية، والعمل على إدراج معتقداته في النظام البديل، ولكن من البديهي ان يُعلن هذا الفريق افكاره بوضوح وبشفافية، أمّا التستّر عنها ومحاولة تسريبها وتعبيد الطريق لها من خلال تسوياتٍ ونفاقٍ سياسي فرضي، فيدلّ الى أنّ بديله هو الخطر على طبيعة حياة الفئات الاخرى من اللبنانيين.

 

وكي لا يتمكّن هذا الفريق من تغيير هويتنا بسبب عدم ادراكنا طريق المواجهة، وجب علينا بشكل مستمرّ الاشارة الى البديل الذي يحاول “حزب الله” اخذ اللبنانيين اليه، ويعاونه عليه حليفه المصلحي “التيار الوطني الحر”، لانه البديل عن النقاشات، والبديل عن السماح بالمعارضات، والبديل عن حرّية الرأي وحرّية الاختيار، والبديل عن المسار الطبيعي الطموح للانسانية. إنه البديل عن المؤسسات والوزارات والهيئات الناظمة المستقلّة ومجالس الادارات الفعّالة والخبراء والمختبرات والمعايير البيئية والصحّة العامة، إنه البديل عن المناقصات والسوق المفتوحة والعلاقات مع الدول المتطورة والسوق التنافسية، والبديل عن السلع النوعية والاستشفاء النوعي والتجهيزات والخدمات والالكترونيات الحديثة. إنه البديل عن اللباس ومراكز التسوّق المُبدعة والتسهيلات الحياتية، وحتماً إنه البديل عن الجمعيات والنوادي الفكرية والثقافية والفنّ الرفيع والمهرجانات البارزة والابداع العلمي. إنه البديل الذي يخوّن من يختلف معه بالرأي، ويعدم من يعارضه في الموقف، ويقتل ويغتال من يُصعّب عليه السيطرة. إنه البديل الحتمي ايضاً الذي يضم المصفّقين ويُلغي المُفكّرين، إنه البديل الرافض للعدالة الاجتماعية والمساواة. إنه التخلّف البديل عن وطن الرسالة، والبديل الالغائي للبنان الكيان، وإنه ليس البديل في الجغرافيا، لانه البديل الذي يُبقي على الارض والدم والجنس البشري، لكنه يقتل الفكر، وإن لم نُعارضه ونُسقطه فسيُلغينا. المعركة إمّا التحرّر وإمّا الانقراض، ولن يرحمنا التاريخ إن تخاذلنا.