IMLebanon

الرئاسة «لعب كبار»

كتب د. قصي الحسين:

تزداد الأزمة الرئاسية تعقيدا، يوما عن يوم. خرجت من ملعب الصغار، وصارت في ملعب الكبار. ولهذا نرى التخبّط في العلاقات بين الأطراف المحلية. فهي لا تستوي على أمر من الأمور، حتى نراها تغرق في بحر التعقيدات، تغرق في بحر التفاصيل، فتعود المناقشات والطروحات والمداولات الرئاسية بينهم، من جديد، إلى نقطة الصفر، لأن التناقض بين الكبار لم ينته بعد، لأن التضارب بين مصالح الكبار، لا يزال على أشدّه.. يتصاعد يوما بعد يوم، وليس هو تناقص، ولم يسجل بعد أي نقصان.

المعارضة بكل صفوفها، وبكل أحزابها، غير قادرة على الثبات في موقف من المواقف. يشتغلون فيما بينهم على القطعة. يتوافقون قليلا ويختلفون كثيرا. فالعين دائما على الكبار في الخارج، الذين لم يصلوا بعد إلى نتيجة، ما دامت الجبهات مدشمة، ما دامت المعارك محتدمة، ما دامت السيوف خارج القراب، في كثير من البلدان في دول الجوار.

وليست قوى الممانعة بأنعم بالا، فهي تنتظر واجمة على موقف واحد، لا تستطيع أن تبرحه، لا تستطيع أن تتزحزح عنه، لأنه لم يصل بعد البريد. تراها تتقلّب على جمر الرئاسة، لأنها في موقع لا تحسد عليه. تمسك بالمقود. تمسك بدفة القيادة، ولا تستطيع أن تحرك السيارة. فالإشارة الضوئية لا صفراء ولا خضراء، لا تزال حمراء، إذا لم نقل إنها معطّلة.

ينتظر المعارضون والممانعون معا، في صالتين متدانيتين، في صالتين متقابلتين، على أرض واحدة، تشبه إلى حد بعيد، الأرض المحايدة. ففي قرارة نفوسهم يوقنون، أن الرئاسة «لعب كبار»، وهي ليست من أنواع اللعب المعتاد على الملاعب اللبنانية المحلية. ولهذا ترى قوى الطرفين: معارضين وممانعين، في الملاعب، على رسلهم، غير عابئين، لا بالفوز ولا بالخسارة، لأن الكبار خارج الملاعب المحلية، لم يتوصلوا بعد إلى أدنى إتفاق، بل تركوا للصغار أن يأخذوا وقتهم في ممارسة المروق والنفاق، حتى لا يشعروا بالضجر، حتى لا يشعروا بالسأم، من طول الإنتظار.

لماذا إذن كل هذا الضجيج الفارغ؟ لماذا كل هذه الخطابات، التي تبثّها طواحين الهواء؟ لِمَا كل هذا التهويل، هذا الوعد وهذا الوعيد؟ لماذا كل هذا الحشد والتحشيد، وهم يدركون في قرارة نفوسهم، أن الوقت الرئاسي مديد، وهو لم يحن بعد؟!

نعم أيّها السادة! الرئاسة «لعب كبار»، وهي تنتظر التوازنات على الجبهات. تنتظر التوازنات في الحروب المشتعلة في دول الجوار. تنتظر نفاد المكائد الدولية إلى غاياتها. تنتظر نهايات الحروب والحرائق في البلدان المكلومة والمجروحة والمحروقة والمفرومة: في سوريا و السودان والنيجر والغابون وأريتريا والصومال. تنتظر نتائج الحرب الروسية/ الأوكرانية التي لم يجرّب بعد فيها كل أنواع السلاح. تنتظر وساطات العقلاء، التي لا تهدأ جولاتهم، ولا تهدأ أصواتهم، للجلوس إلى طاولات الحوار.

فلماذا تنصب عندنا الرماح، وتبسط على أرضنا خريطة الحرب، ما دامت الحرب في مكان آخر؟ لماذا شدّ كل هذا العصب، ما دامت الرئاسة اللبنانية، ليست بعد جاهزة، على طاولة الحوار. ما دامت طاولة الحوار نفسها، غير جاهزة بعد للحوار؟

الرئاسة اللبنانية، لمن لا يزال ممانعا أو معارضا، «لعب كبار». فليتقوا الله فينا، أولئك اللاعبون الصغار. فليريحونا من شغب الأولاد، من مشاجراتهم، من ضغائنهم. فليريحونا من كيدهم، من مكائدهم.. لأننا لم نعد قادرين على تحمّل عبئهم الثقيل علينا، عبء حرب التجويع، وعبء حرب التحشيد، وبينهما مكابدة حرق الأعصاب.

وقديما قال الشاعر المتنبي:

«وإحتمال الأذى ورؤية جانيه، غذاء تضوى به الأجسام».

 

* أستاذ في الجامعة اللبنانية