IMLebanon

لبنان… وعدم اليقين

 

كثيرة هي التحليلات والتوقعات حول التحولات القادمة على المنطقة ولبنان بعد انتخابات اميركا، ومعظم تلك الاستنتاجات تستند الى تجارب سابقة محلية واقليمية ودولية في الحرب والسلام، في حين ان الدول العظمى بعد جائحة كورونا تنطلق في تحديد خياراتها السياسية على قاعدة عدم اليقين وتهيب اللامتوقع واللامفكر فيه مما يجعل كل القراءات والتحليلات التي تقوم على اساس القياس بالتجارب السابقة هي اشبه بالرغبات او التهيئات وبعيدة كل البعد عن الواقع الذي تعيشه منطقتنا والعالم بعد ان اثبتت جائحة كورنا كونها الناخب الأكبر في الانتخابات الرئاسية الاميركية وادلت بصوتها لصالح بايدن وحرمت ترامب من ولاية ثانية وجعلته يدخل في حالة من عدم اليقين ورفض نتائج الانتخابات.

ان متابعة الواقع اللبناني والاقليمي والدولي يجب ان تنطلق من قاعدة معرفية قديمة جديدة تقوم على اساس ان كل ما نعرفه هو اننا لا نعرف شيئا، وهذا يستدعي اعادة الاعتبار الى الاسئلة الكيفية البديهية التي لا تتضمن اجابات مسبقة كي نستطيع تحديد معالم واقعنا الجديد الآخذ في التكون على اسس مغايرة لما كنا قد عرفناه على مدى عقود طوال من سياسات ونزاعات وتحالفات، مما يستدعي الابتعاد عن محاولات التبسيط خلال عملية تفكيك الغموض المعقد عبر صياغة الاسئلة التي قد تساعدنا على تحديد الموضوعات والتحديات واستكشاف الغموض الذي يهيمن على حاضرنا ومستقبلنا.

عموم القيادات اللبنانية تعيش حالة من الارباك الذاتي نتيجة حالة عدم اليقين التي تسيطر على وعيها وطموحاتها، مما يجعلها تستغرق في دوامة من الهواجس والاسئلة والتكهنات على مدى الدقائق والثوان بسبب الغموض الشديد الذي يتحكم في الواقع على كافة المستويات، وتحاول تلك القيادات الظهور امام اتباعها ومناصريها في وضعية الزعامة المستقرة والعالمة بخفايا الامور خوفا من ان يكتشف الاتباع هشاشة القادة الاقوياء الذين لم يدركوا هول التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي فرضها الفساد ووباء كورونا، مما يحتم التسليم بعدم اليقين بما هو السبيل الوحيد للتفكير في مواجهة المصير المجهول.

قصة زعماء لبنان مع عدم اليقين طويلة جدا لانهم في حقيقتهم حالات عصبية ظرفية عنفية انكفائية غير انسيابية تكونت نتيجة انهيارات وتعثرات وطنية وتماهت مع الوصايات والاحتلالات والنزاعات والصفقات وجميعهم يؤمنون بالخصوصية الطائفية وبالخلاص الذاتي على حساب الخلاص الوطني ويقدمون مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة، وما شاهدناه في الاسابيع الماضية من اصطفافات واستتباعات ومغامرات بالاستقرار الهش بالبلاد يجعلنا ندرك عمق تداخل هواجسهم برغباتهم مع حالة عدم اليقين الغير مسبوقة التي تسيطر على الواقع المحلي والاقليمي والدولي.

تشهد الساحة اللبنانية تسارعاً في تجديد التموضوعات الخارجية العربية والاقليمية والدولية مع الكثير من الغموض وعدم اليقين نتيجة التغيير الكبير بقائمة الاولويات وكيفية التعامل مع النزعات المفتوحة في المنطقة من ليبيا الى اليمن الى فلسطين الى سوريا والعراق ولبنان، وحالة عدم اليقين السائدة تجعلنا غير قادرين على تحديد التحالفات والخصومات بعد ان تحول اعداء الامس الى حلفاء اليوم والعكس صحيح، ومع حالة عدم اليقين لا نستطيع ان نستشعر نظام المخاطر الذي يتهدد الشرعية اللبنانية وما تبقى من مؤسساتها الرئاسية والحكومية والتشريعية والعسكرية   والامنية والقضائية بعد ان تلاشت مؤسساتها المدنية المالية والاقتصادية والاجتماعية، ولبنان مع انعدام اليقين يتوجس الكثير من الاحتمالات الخطيرة والمخيفة على مستوى الامن الفردي والجماعي والانهيارات المعيشية الموجعة والتهديدات الارهابية والحربية المتعاظمة.