IMLebanon

بابٌ على المفاجآت حتى نهاية العهد

 

هناك تساؤلات مشروعة يتمُّ تداولها في بعض الأوساط السياسية، ومنها أنّ طبقة النافذين في السلطة كانت قادرة على اتخاذ خطوات الحدّ الأدنى التي تجنّب الجميع أن يقعوا في المأزق الحالي، وكان متاحاً لها أيضاً إنقاذ رأسها من الضغط والعقوبات الدولية والعربية، فلماذا لم تفعل؟ وهل بين هؤلاء النافذين مَن يريد دفع لبنان، قصداً، إلى الانهيار المفتوح؟ ولماذا؟

 

تقيم منظومة السلطة حساباتها على أساس أنّها ستعيش عاماً آخر، أو أكثر بقليل، أي حتى بلوغ الموعد «الافتراضي» للانتخابات النيابية في الربيع، والموعد الآخر «الافتراضي» للانتخابات الرئاسية في الخريف. ففي أي حال، ستفرض التحدّيات خيارات جديدة في ذلك الحين، وما بعد 2022 لن يكون كما قبْلَها.

 

على هذا الأساس، تقوم بـ»ترقيع» الوضع المالي، ما يتيح تمرير المرحلة لا أكثر، وحجز المواقع في التركيبة المقبلة. ويكون ساذجاً مَن ينخدع اليوم بالمسرحية التي فيها توحي قوى السلطة- وهي نفسها قوى المال والمصارف والأمن- بأنّها تتصارع وتتضارب في خطواتها ما بين «تعاميم» صادرة عن مصرف لبنان و«قانون» لـ«الكابيتال كونترول».

 

في كل الحالات، هي المنظومة نفسها، تتنفَّس وتتحرَّك. وهي نسَّقت خطواتها طوال سنوات، وتواطأت بعد تشرين الأول 2019 لمنع إقرار «كابيتال كونترول» وحاولت تبرير ذلك بكل الوسائل. وطبعاً، كان مطلوباً من الناس أن يصدّقوا التبرير. وفعلاً، لم يكن صعباً على الذين قام زعماؤهم بغسل أدمغتهم أن يصدّقوهم.

 

على خط آخر من اللعبة، جرى إِشغال الناس بعشرات التعاميم فوق الطاولة، فيما كانت ملياراتهم تُنهَب تحتها، لا بالتحويلات إلى الخارج فحسب، بل خصوصاً بتوزيع المدَّخرات هدايا للمحظيين، من مُهرّبين وتجار وصيارفة، وهؤلاء إجمالاً يصبّون في أمكنة يعرفها الجميع.

 

المثير هو انعدام أي دور للقضاء الذي أقفل كل الأبواب أمام أي اعتراض، وكان ذلك خدمةً ثمينة للمنظومة. وهذه نقطة سوداء في سِجِلّ طاقم «الحُماة» المفترضين للقانون والدستور. ويتردَّد أنّ بعض هؤلاء لا يتحرّك إلّا بالإشارة وفي التوقيت المطلوب.

 

من مصلحة المنظومة أن تنفّس احتقان الناس بسبب رفع الدعم. وهي تفعل ذلك «من كيسهم»، وبفُتات الفُتات، فيما ودائعهم والرواتب مسروقة. وفي الغالب، ستتلقّى العائلات 400 دولار نقداً كل شهر، و5 ملايين من الليرات ستنهار قيمتها تدريجاً حتى نهاية العام. وهذه الحفنة البسيطة من السيولة ستخدّر الناس نسبياً، وسيستخدمها الزعماء للإمساك بجماعاتهم إذا فرضت الظروف عليهم إجراء الانتخابات، بحيث يكرّسون سيطرتهم على المؤسسات في المرحلة المقبلة.

 

ومن زاوية أخرى، سيكون هذا الإجراء رسالة مخادعة من المنظومة إلى المجتمع الدولي وصندوق النقد والدول المانحة في مؤتمر «سيدر» مفادها: نحن سائرون في شروط الإصلاح والشفافية المطلوبة ورفع الدعم وتوحيد سعر الصرف وتسوية أوضاع القطاع المصرفي، فهاتوا أموالكم الموعودة؟

 

ولكن، يتردَّد في بعض الأوساط كلام مفاده أنّ في المنظومة مَن لا يريد إطفاء النار ولا يرغب في تمرير المرحلة بجرعات المخدّر المالية، وأنه يفضّل الوصول بالانهيار إلى القعر، لأنّ ذلك سيكون ضرورياً لاستكمال زعزعة المؤسسات وفرض خيارات معينة على البلد، ومنها تركيب صيغة حُكمٍ جديدة ووصاية على لبنان. ومَن يتابع مناخات البيئة المحسوبة على دمشق يلمس التسريبات المتعمَّدة المتتالية، والتي تلوِّح بنوع جديد من الوصاية أو تُسوِّقها.

 

يعني ذلك أنّ الباب مفتوح على مفاجآت جديدة في الأشهر القليلة المقبلة. والاتجاه ستحسمه المناخات الدولية والإقليمية، ولاسيما نتائج المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، واللقاء الموعود في جنيف بين الرئيسين الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين، في 16 الجاري. وثمة مَن يعلِّق أهمية استثنائية على هذه القمة، ويعتقد أنّها ستساهم في تحديد مسار العديد من الملفات الدولية، ومنها ملفات الشرق الأوسط.

 

إذا ارتأى أحد أنّ من مصلحته دفع لبنان إلى استكمال الانهيار فسيعطّل أي محاولة تخدير. وإذا ارتأى أي طرف أنّ استخدام لبنان صندوق بريد للرسائل الساخنة مفيد له فسيفعل. ولذلك، الاحتمالات مفتوحة، خصوصاً في عام الاستحقاقات الدستورية. ولا شيء يمنع من دخول البلد في السيناريو الأسوأ مالياً وسياسياً وربما أمنياً.

 

ولكن، الأمر الوحيد الذي يبدو مؤكّداً هو أنّ الاستحقاقات الدستورية ستكون موعداً فاصلاً يُنهي المراوحة. وهنا يبرز مغزى الكلام المتداول في العديد من الأوساط، منذ مدة طويلة، ومفاده أن لا انفراج حقيقياً يمكن أن يتحقق في لبنان إلّا عندما تنتهي ولاية المجلس النيابي ثم ولاية الرئيس ميشال عون.

 

في تلك اللحظة، يبدو أنّ الجميع سيكونون أمام تَحدّي الخروج من المعادلة أو البقاء فيها. وفي الحالين، التسوية المحتملة قد تمنح اللبنانيين هامش التحكّم بقرارهم وقد تفرضَ عليهم خيارات قسرية، بذريعة أنّهم أثبتوا عجزهم عن إدارة شؤونهم بأنفسهم منذ العام 2005. هُنا بيت القصيد.