تعالوا نخاف على لبنان

 

الاتهامات والسجالات وتحميل المسؤوليات لهذا الفريق أو ذاك لن تنقذ لبنان مما اصابه من تصدع وانهيارات خلال سنوات الفوضى الخلاقة منذ ٢٠٠٥ حتى الان، وهو اقل بكثير مما اصاب سوريا والعراق واليمن وليبيا، بالاضافة الى ما نشهده من تحولات مفاجئة وغير متوقعة تجعلنا جميعا أفرادا ومجتمعات ودوّلا واحزابا وطوائف في حال من الضياع، نتبادل الاتهامات حول مسؤولية الفشل في مواجهة التحديات الصغيرة والكبيرة .

جميعنا ضللنا الطريق الى بناء الدولة الحديثة وصناعة الاستقرار، الأنظمة اعتقدت انها بالانتصار على المجتمعات وتفكيكها يمكن ان تبقى وتسود، والشعوب اعتقدت بأنها ستحقق ما تصبو اليه من خلال تدمير دولها ومؤسساتها، وكانت النتيجة بأن خسرنا دولنا ومجتمعاتنا معا، ودول الجوار العربي اعتقدت بأن خراب هذه المجتمعات ودولها سيعود عليها بالقوة والسيطرة وتقاسم النفوذ، وعندما جاء الجيش الروسي الى سوريا والاميركي الى العراق أيقنت دول الجوار بأنها كانت تطارد خيط دخان وهي تبحث الان عن ادوار مغايرة ومناطق عازلة وآمنة.

في احدى ليالي النزاع المسلح التقيتُ الزعيم الفلسطيني ابو عمار في أحد فنادق بيروت حيث كنت أقيم، وكان يأكل الجبنة البيضاء والعسل وسألته عن سبب عدم توظيف الأموال في تحسين واقع المخيمات، فأجابني بكل ثقة وبلهجته المصرية: «ونجيب اليأس منين « واستطرد في حديثه عن قوة اليأس في مواجهة الاعداء، وكيف ان اليأس الفلسطيني حارب اسرائيل عشرات السنوات، والسؤال الان هو كيف سيكون حال المشرق العربي ودول الجوار مع عشرات الملايين من اليائسين البؤساء، وهذا ما يجب ان نتأمله بدقة لتأثيره القاطع على استقرارنا ومستقبل اجيالنا، وعلى دول الجوار ولو بعد فوات الاوان.

علينا التوقف عن صناعة اليأس والكراهية والهروب الى الامام وانتقاد بعضنا البعض أفرادا واحزابا وطوائف وذبابا إلكترونيا، لان من يزرع الشوك يجني الجراح، والترف مكلف وقاتل هذه الايام حيث يسود اليأس لدى الفقراء المشردين في خيم البؤس والنزوح، ويسيطر اليأس على اصحاب النفوذ والثروات وتجار الحروب وحملة السلاح على تنوعهم العقائدي والطائفي والرسمي وغير الرسمي، واليأس يسيطر على جماعة العمل والانكفاء، الكل يائس الى حد الانفجار .

يدرك الجميع بأن الفوضى الخلاقة كانت عملية انتحار جماعي، لا فرق فيها بين الضحية والجلاد ولم تستثنِ جماعة او مكانا، وكانت سنوات طويلة من تدمير الذات واوهام الانتصارات، مما قد يضاعف المخاوف من حالات عدمية في السياسية والأمن، والتي قد تصبح أدوات خطرة في مرحلة تصفية الحسابات وتحول لبنان الى ساحة للانتقام، لان بعض هؤلاء فقد اسباب العودة الآمنة الى الانتظام العام والحياة الطبيعية لكثرة ما ارتكبوا من جرائم وموبقات .

علينا ان نراجع أنفسنا وان نعتذر من مجتمعاتنا على أخطائنا وفشلنا، ومقامرتنا بوجودنا وأجيالنا ودولتنا الوطنية، وارتكابنا الجرائم بالفعل او بالصمت والانكفاء او بالتكاذب الطائفي والمذهبي وبيع الولاءات، انها لحظة بالغة الخطورة، سبق ان تعلمنا دروسها القاسية ايام القتل والدمار والاحتلال بين ١٩٧٥ و١٩٨٩ في لبنان وخلال الفوضى الخلاقة من ٢٠٠٥ الى ٢٠١٩ مع ما عانيناه من انهيارات واغتيالات.

انها دعوة الى تجديد صناعة الامل والتخلي عن صناعة اليأس الذي يهدد اطفالنا ومستقبل اجيالنا، وبعيدا عن الشطارات والمهارات فلنتوقف عن تيئيس وتخويف بعضنا البعض وبكل شجاعة «تعالوا نخاف على ما تبقى من لبنان».