IMLebanon

كيف ساهم “حزب الله” في انعكاس موازين القوى؟

 

 

 

يمكن فهم الديناميات الراهنة في العلاقة بين إسرائيل وإيران و”حزب الله” في إطار مفهوم “انعكاس أدوات النفوذ” (leverage reversal)، أي التحوّل الذي يطرأ على أدوات القوة غير المباشرة، بحيث تنتقل من كونها مصادر ردع وامتداد نفوذ إلى عناصر قابلة للاستخدام ضد الجهة التي أنشأتها أو دعمتها.

 

ضمن هذا الإطار، شكّل “حزب الله”، على مدى عقود، أحد أهم الركائز الاستراتيجية في منظومة الردع الإيرانية. فقد أتاح لطهران امتلاك قدرة غير مباشرة على التأثير في سلوك إسرائيل، عبر رفع كلفة أي تصعيد عسكري أو سياسي ضدها أو ضد حلفائها. وبذلك، لم يكن “حزب الله” مجرد فاعل محلي في السياق اللبناني، بل جزءًا عضويًا من بنية الردع الإقليمي الإيرانية.

 

وقد استندت هذه المعادلة إلى منطق واضح: استخدام “حزب الله” كأداة ضغط متعددة المستويات، تمتد من الساحة اللبنانية إلى الإقليم الأوسع، بما يشمل إسرائيل والولايات المتحدة. وقد عزّز هذا الدور موقعه الجغرافي على الحدود الشمالية لإسرائيل، إلى جانب قدراته العسكرية، ما جعله عنصرًا مركزيًا في هندسة التوازن الإقليمي غير المباشر بين طهران وخصومها.

 

غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى احتمال حدوث تحوّل في وظيفة هذه الأداة. إذ يمكن قراءة الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية على أنها لا تقتصر على احتواء “حزب الله” أو إضعافه ميدانيًا، بل تتجاوز ذلك نحو محاولة تحويل هذا الإضعاف نفسه إلى مصدر ضغط على إيران. أي إن كلفة دعمه أو الحفاظ على دوره العسكري والسياسي تصبح جزءًا من معادلة الضغط الموجّهة إلى طهران.

 

في هذا السياق، تنقلب المعادلة التقليدية تدريجيًا: فبدلا من أن يشكّل “حزب الله” ورقة تستخدمها إيران للضغط على إسرائيل، يتحوّل إضعافه إلى ورقة ضغط تُستخدم ضد إيران ذاتها. وبذلك، لا يعود “الحزب” مجرد أداة نفوذ إيرانية، بل يصبح أيضًا نقطة استنزاف محتملة تنعكس آثارها على مستوى صانع القرار في طهران.

 

ويمكن تفسير التصعيد في الخطاب الإيراني تجاه المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في هذا الإطار، إذ قد يعكس إدراكًا لدى طهران لاحتمال أن تؤدي الترتيبات الناتجة عن تلك المفاوضات إلى تقليص هامش الحركة الاستراتيجي لـ”حزب الله”، وبالتالي إلى إضعاف أحد أهم عناصر منظومتها الردعية.

 

ومع ذلك، يبقى السؤال التحليلي المركزي مرتبطًا بطبيعة الموقع الذي يشغله “حزب الله” داخل الاستراتيجية الإيرانية: هل هو أداة نفوذ قابلة لإعادة التوظيف ضمن مقايضات سياسية واستراتيجية أوسع، أم أنه عنصر بنيوي في منظومة الردع الإيرانية، بحيث يشكّل المساس به تهديدًا مباشرًا لبنية هذه المنظومة؟

 

في الحالة الأولى، قد تقبل إيران بخسائر موضعية في لبنان مقابل مكاسب استراتيجية في ملفات أخرى، مثل التخفيف من الضغوط الاقتصادية أو تحقيق تفاهمات في الملف النووي. أما في الحالة الثانية، فإن أي مساس جوهري بدور “حزب الله” يصبح غير قابل للمساومة، نظرًا إلى ارتباطه العضوي ببنية الردع الإيرانية.

 

ويمكن توضيح هذا النقاش من خلال تشبيه يتعلق بمضيق هرمز. ففي هذا المثال، كانت ورقة الضغط التقليدية لإيران تقوم على المعادلة التالية: “إذا مارستم الضغط علينا، يمكننا تعطيل أحد أهم الممرات البحرية العالمية ورفع الكلفة على الجميع”. أما الرد الأميركي فكان، في جوهره: “إذا استخدمتم هذه الورقة، فسنستهدف مصدرها نفسه عبر تقييد الوصول إلى الموانئ الإيرانية والتجارة البحرية الإيرانية”.

 

أي إن إيران سعت إلى استخدام المضيق كأداة إكراه وضغط، فيما سارعت الولايات المتحدة إلى “محاصرة من يفرض الحصار”، وتحويل مصدر النفوذ الإيراني ذاته إلى مصدر هشاشة وضعف.

 

وبالمعنى نفسه، يمكن أن يتحوّل “حزب الله”، في حال استمرار استهدافه بوصفه قناة ضغط على إيران، من أداة إنتاج نفوذ إلى مصدر توليد كلفة استراتيجية على الجهة الراعية له، بما يعيد تشكيل حسابات الردع الإقليمي.

 

في المحصلة، لا يتمثل التحوّل الراهن فقط في تراجع دور “حزب الله” بحد ذاته، بل في إعادة تعريف وظيفته داخل منظومة الصراع الإقليمي. فالمعادلة لم تعد محصورة في استخدامه كأداة ضغط أحادية الاتجاه، بل باتت تتضمن إمكانية تحوّله إلى عنصر ضغط ارتدادي على إيران نفسها.

 

ويبقى الاتجاه المستقبلي مرهونًا بمدى قدرة طهران على إعادة تموضع “حزب الله” ضمن استراتيجيتها الإقليمية: إما كأداة نفوذ قابلة للتعديل ضمن صفقات أوسع، أو كركيزة ردع مركزية لا يمكن المساس بها من دون التأثير في توازن القوة الذي بنت عليه سياساتها الإقليمية خلال العقود الماضية.