IMLebanon

إستدعاء لغالبية اللبنانيين

 

في رؤيته للواقع اللبناني، وأزماته المتناسلة، يرى الباحث والأستاذ الجامعي مكرم رباح، في حديث بمناسبة مئوية الجمهورية، أنّ «عدم رغبة الطبقة السياسية اللبنانية وطمع رجالاتها بالسلطة دفعت مراراً وتكراراً لتقديم لبنان ليكون بيدقاً في الحروب الإقليمية القائمة»، وأنّ «رفْضَ اللبنانيين تحمّل مسؤولياتهم والتفكير بالمستقبل، جعلهم يتغاضون عن قطيع الفيلة في غرفهم، فرأوا في الحرب الأهلية اللبنانية «حروب الآخرين»، فالخارج بطبيعة الحال عامل أساسي ومحوري في حروبنا الأهلية المستمرّة، لكنهم في الوقت نفسه رفضوا الاعتراف بالضعف البنيوي والمناعي لكيانهم السياسي الذي سمح للخارج باستخدامهم، كما قاموا بتسخير موارد الخارج في خدمة أجندات سياسية شخصية ضيّقة خبّأوها وراء زعمهم الدفاع عن عشيرتهم أو حزبهم أو دينهم، وفي المجمل كلّ ما سبق».

 

لقد «فشل اللبنانيون في الحفاظ على هذا البيت بمنازل كثيرة… هذا الفشل ينبع من هوس العديدين إلى السلطة، وكذلك غياب طبقة من الحكماء والحكيمات القادرين وبكلّ شجاعة- وفي بعض الأحيان ضدّ مصلحتهم الشخصية والمذهبية- تقديم خطط واقتراحات عملية واستراتيجية قادرة على الصمود في وجه التحديات، بطريقة طويلة الأمد تجعل سيف الإصلاح والتطوّر في يد المواطن وليس في يد المستبدّين بالسلطة».

 

هذا بعضٌ من رؤية رباح لأوضاعنا، وهو في أساس كل مواقفه وتحليلاته وآرائه الجريئة والصريحة، من التطورات على مختلف وجوهها. وليس رباح فريداً ولا متفرداً في ما يقول ويصرّح. عن حرب المشاغلة واحتمالاتها، أو عن فساد المتسلطين، وارتكاباتهم بحق الدستور والقانون، أو عن قمع القضاء ومنعه من أن يكون سلطة مستقلة فاعلة في أسوأ جريمة ارتكبت بحق البلد ومواطنيه، أو في مسائل أبسط بكثير. وهو ليس وحيداً، وإنما يشاركه الرأي مئات الألوف من المواطنين البسطاء، الذين يتحدثون حديثه، ويقولون ما يمكن أن لا يقوله في كل شيء، في هذا الحزب أو ذاك، في حرب «حزب الله» وسياسة هذا الحزب، وكذلك في فساد هذا الزعيم أو نظيره في الطائفة الأخرى، وكيف يلتقي تحالف الميليشيات والفاسدين على إفراغ لبنان من دستوره ورئيسه، ومن مؤسساته الشرعية واجياله الشابة، ومن قدراته وثرواته ومستقبله.

 

لم يفعل رباح سوى الإضاءة على هذه الوقائع فتم استدعاؤه إلى التحقيق وذهب إليه واثقاً من أمرين: صحّة موقفه المعبّر عن أوجاع غالبية اللبنانيين، وايماناً منه بالقانون والقضاء الذي يجب أن يستعيد دوره ركناً أساسياً في بناء الدولة المنشودة. مكرم رباح لم يتهرب كغيره من الـ»كبار» الذين داسوا القوانين والقضاء، وإنما سلك طريقاً يؤمن بها، وسيأتي يوم يروي فيه الذين استدعوه حجم خطأهم واستخفافهم بأساسيات بلد قيل إنّه موطن الحريات ونموذجها.