IMLebanon

مَن المستفيد من نَقل المواجهة إلى الداخل؟

 

 

كل ما رافقَ خطف الشهيد باسكال سليمان واغتياله أوحى كأنّ هناك سيناريو تم إعداده من أجل إحداث فوضى في الداخل، فما هي عناصره؟ وكيف تم إجهاضه؟ وهل يمكن تكراره؟

القاعدة المعروفة في سرقة السيارات انّ العصابات التي تَمتهِن هذا العمل تتجنّب الخطف والقتل، لأنّ هدفها السرقة لا القتل، وقد يقول قائل انّ هناك دائماً استثناءات لا يجوز إنكارها، وانّ هذا الاستثناء حصل مع باسكال سليمان، وإذا سلّمنا جدلاً بهذا الاستثناء، على رغم انه تَوسّل العصابة عدم قتله وكان بإمكانها سرقة سيارته وهاتفه الخلوي وتركه على قارعة الطريق، فلماذا لم تتخلّص من جثته عند أي واد، وما أكثرها، وكان يستحيل العثور عليه إلا بالصدفة او بعد وقت طويل؟ ولماذا احتفظت بجثته واجتازت بها مئات الكيلومترات إلى داخل سوريا؟ وما الأسهل بالنسبة للعصابة إذا كانت عصابة سرقة لا قتل: سرقة السيارة مع الجثة او من دونها؟ وما الذي يجعلها مطمئنة إلى اقتياد جثة كل هذه المسافة وعبور الحدود؟ ومن الفريق الذي يسيطر على معبر أياد الجعفر الذي عبرته سيارات العصابة مع الجثة؟ وما الرسالة من وراء رَميها في القصير؟ وهل يعقل ان ترميها بطريقة مكشوفة من دون طمرها بعد ان قطعت كل هذه المسافة؟ ومَن قام بتصويرها ولأي خلفية؟ ومن هي المطابخ التي أغرقت الفضاء الإعلامي بأخبار مُضللة عن انه ما زال حياً ويتم التحقيق معه ومعالجته في المستشفى، وإلى ماذا كانت ترمي من وراء التشويش المتعمّد؟ ولماذا لم تُؤخذ شهادات مصورة ممّن قيل انّ الخاطفين تعقبوا سياراتهم؟ ومن الجهة التي تقف خلف البيانات التي صدرت عن أهالي بعض المناطق التي تُنذر اللاجئين السوريين بضرورة الرحيل؟ ومن يقف خلف التحريض الذي ترافقَ مع الخطف وتطوّر مع الاغتيال؟ ومن الفريق الذي كان يريد إشعال مواجهة عنفية بين المسيحيين واللاجئين ولأي سبب؟ وهل من علاقة بتوقيت التوتير في الداخل مع نهاية عيد الفطر والكلام عن استعدادات إسرائيلية عسكرية لاجتياح رفح وإبعاد «حزب الله» عدة كيلومترات عن الحدود؟

 

التساؤلات كثيرة والإجابات المقدمة حتى الآن غير مقنعة، ولا بل تَشي بوجود مخطّط لإشعال مواجهة بين المسيحيين واللاجئين السوريين قوامه الآتي:

 

أولاً، ليس خافياً على أحد حجم النقمة المسيحية ضد اللاجئين، وهي نقمة إسلامية أيضاً، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الجرائم التي يرتكبها بعضهم، وأيّ صدام سيصوّر بأنه حصل في سياقه الطبيعي بعد تحذيرات لم تَلق الآذان الصاغية.

 

ثانياً، المواجهة المسيحية مع اللاجئين تؤدي إلى توتر في العلاقة المسيحية-السنية، ويتحوّل التركيز المسيحي على اللاجئين بدلاً من سلاح «حزب الله»، أي إشغالهم بجبهة داخلية ويأتي الحزب ليعرض نفسه مساعداً لهم، فيُعاد تعويم تفاهم 6 شباط 2006، خصوصاً انّ النائب جبران باسيل التقط لحظة اغتيال باسكال ليشنّ حملة عنيفة ضد اللاجئين وكأنهم مَن خطّط الاغتيال ودَبّره ونفّذه.

 

ثالثاً، لا يحتاج إشعال المواجهة بفِعل الشحن القائم سوى إلى بوسطة عين الرمانة جديدة بالتزامن مع ذكراها المشؤومة، فكان الاغتيال: مسيحي قواتي، والجهة المنفذة: عصابة سورية خطفت وقتلت ورَمت الجثة في سوريا.

 

رابعاً، محاصرة «القوات اللبنانية» وطنياً ومسيحياً تتطلّب توريطها في مواجهة داخلية، والوصفة الجاهزة: قضيّة اللاجئين السوريين. هذا عدا عن التداعيات الأمنية لمواجهةٍ من هذا القبيل والسعي إلى ضرب علاقتها الوثيقة بالمؤسسة العسكرية.

 

وبعد استعراض السيناريو المحتمل لجرّ المسيحيين وتحديداً «القوات» إلى مواجهة مع اللاجئين السوريين، لا بدّ من استعراض مَن المستفيد من إشعال مواجهة من هذا القبيل في الداخل، والمستفيد لا يعني بالضرورة انه المتهم بتحريك هذا السيناريو.

1) وجدَ «حزب الله» نفسه بعد طوفان الأقصى أمام ثلاثة خيارات: البقاء على الحياد، ما اعتبره مقتلاً له بعد التجييش والتعبئة بإزالة إسرائيل. إقتحام إسرائيل على غرار «حماس» مجازفة في غير محلها. والخيار الثالث حرب المُشاغلة التي تحفظ ماء وجهه نسبياً ولا مجازفة فيها.

2) لم يتوقّع الحزب ان تطول الحرب انطلاقاً من تاريخ الحروب الإسرائيلية وتدخُّل المجتمع الدولي لوَقفها، فاعتبر أنّ حدها الأقصى هو شهر وبإمكانه تَحَمُّل انعكاساتها التي تبقى أقل من بقائه على الحياد.

3) إعتقد الحزب انّ حرب المشاغلة ستكون على قاعدة القصف المتبادل، ولكنه تفاجأ بالتفوّق التكنولوجي الإسرائيلي وخسائره الفادحة على مستوى كوادره.

4) التململ المُضمَر داخل بيئة الحزب من الدمار الهائل اللاحق بمنازلها وبلداتها، خصوصاً انها أعادت إعمار ما هدمته حرب تموز 2006 بعد ان قطع الحزب لها وعداً بأنها آخر الحروب باستثناء التصَدّي لهجوم إسرائيلي، وأما الذي بادرَ إلى الحرب «على طريق القدس» فإنها تحمِّله مسؤولية خسائرها البشرية والمادية.

5) الخشية الواسعة من أن تشكّل نهاية عيد الفطر بداية العدّ العكسي للدخول إلى رفح من جهة، وتنفيذ تهديدها بتخيير الحزب بين التراجع 10 كلم من تلقاء نفسه او ستخوض حرباً لإعادته بالقوة من جهة أخرى، ومعلوم ان هذا المطلب لم تتراجع عنه تل أبيب بعد ويشكّل هدفا أساسيا بالتوازي مع هدف إخراج «حماس» من غزة.

 

وانطلاقاً من هذه الصورة، وجد «حزب الله» نفسه أمام ضرورة وقف الحرب ومحاولة تَجنُّب ضربة عسكرية والتراجع عن الحدود بأقل أضرار ممكنة على صورته. وانّ تَموضعاً استراتيجياً من هذا القبيل يتطلّب حَرف التركيز عن جبهة الجنوب ونقلها إلى الداخل، أي إثارة الغبار الكثيف ليتمكّن الحزب من تغطية مفاوضاته مع تل أبيب عن طريق واشنطن وصولاً إلى تسوية.

 

واستكمالاً لهذه الصورة، لا بدّ من الإشارة إلى عاملين إضافيين: إعلان النائب السابق وليد جنبلاط بعد لقائه الرئيس نبيه بري انّ الحلّ يكون في العودة إلى اتفاقية الهدنة الموقعة في العام 1949، ولا يمكن لجنبلاط أن يصرِّح من عين التينة لولا انّ الموقف الذي أطلقه هو رسالة من بري مُتفّق عليها مع «حزب الله» وجاءت على لسان جنبلاط وموجّهة إلى واشنطن.

 

والعامل الثاني عدم اعتراض الثنائي الحزبي الشيعي على مطالبة النائب باسيل من المجتمع الدولي العمل على وقف إطلاق النار في الجنوب بمعزلٍ عن غزة، ويستحيل أن يُقدم على مبادرة من هذا القبيل من دون ان تكون ليس فقط منسّقة مع الحزب، إنما بطلبٍ منه او تؤدي إلى خدمة مصالح الحزب، لأنّ خلاف التيار مع الأخير هو رئاسي وظرفي وليس من طبيعة استراتيجية، ومحاولة باسيل تندرج في سياق تأدية خدمة استراتيجية للحزب.

وفي سياق هذا المشهد كله حصلت عملية الخطف والقتل والاتهام والتحريض والتوتر والمشاكل المتنقلة، ودلّت هذه البروفا الى انّ الحرب التي يخوضها «حزب الله» ضد إسرائيل انتقلت من عنوان رئيسي حافظَ على مرتبته ومكانته على مدى الـ6 أشهر الماضية، إلى عنوان فرعي وثانوي بعدما انتزع الاغتيال والتوتر على المرتبة الأولى، وهذا يعني ان الحرب الداخلية تُنسي اللبنانيين ما يحصل على الحدود او في المحيط.

 

ويبقى الفصل الأخير من هذا المشهد وهو كيفية إسقاط محاولة نقل التوتر إلى الداخل:

أ) مُسارعة الدكتور سمير جعجع إلى النزول على الأرض للإمساك بالشارع المتوتر ومنعاً لأن يقود الشارع مسار الأمور او ان يستغِلّ مُستغِل هذا الشارع.

ب) رفض «القوات اللبنانية» في بياناتها المتتالية وضع المسؤولية على اللاجئين السوريين مع تشديدها على ضرورة عودتهم الأمس قبل اليوم، إنما تركيزها على من يغيِّب الدولة ويستبيح الحدود ويصادر قرار الحرب ويمنع الإدارات العسكرية والأمنية من القيام بمسؤولياتها.

ج) رفض «القوات» وضع اغتيال باسكال في سياق استهدافها او استهداف المسيحيين، إنما وضعته منذ اللحظة الأولى في سياق استهداف كل مواطن يتمسّك بحرية القول والتعبير، والالتفاف الوطني حولها شكّل أقوى رسالة بأنّ المواجهة كانت وستبقى من طبيعة وطنية لا طائفية.

د) دور بكركي الحازم في رفض الجريمة وترؤس البطريرك بشارة الراعي شخصياً الصلاة لراحة نفسه، كما دورها الحاسم في رفض الفتنة.

هـ) حنكة الجيش في السيطرة على الأرض من خلال ترك الناس تنفِّس غضبها بسبب الاغتيال، ومَنع صارم لأيّ احتكاك او توتر او فتنة، وإثبات قدرته على التحَكّم بالأرض.

 

وإذا كان كل من بكركي واليرزة ومعراب والمعارضة نجحوا في إسقاط الفتنة ومنع نقل التوتر إلى الداخل، فهل سيكرِّر فِعلته مَن دبّر لإشغال الداخل؟ وهل سينجح في المرة الثانية بعد فشله في المرة الأولى، خصوصاً انه يَتكئ على النفوس المشحونة والمتخوِّفة في آنٍ معاً من اغتيال جديد؟ وما العمل لِتدارك محاولة جديدة على طريق إشغال الداخل؟