IMLebanon

خطة “الصحة” الطموحة مغلّفة بـ”قشرة” رفْع الدعم الخجولة

 

12 ألف ليرة “تفكّ أسْر” مئات الأصناف من الأدوية وتفتح باب “القلق” أمام اللبنانيين

 

 

يصح على ما يجري في موضوع ترشيد الدعم على الدواء المثل الشعبي القائل “مجنون يحكي وعاقل يفهم”. فإذا كان سعر الصرف في السوق الموازية 22600 ليرة وسعر منصة “sayrafa” المخصصة “نظرياً” للتجار 16800 ليرة، فمن أين ابتُدعت أسعار 4800 ليرة لدعم الأدوية المنتجة محلياً، و12 ألف ليرة للمستوردة؟ ومن أين سيؤمّن مصرف لبنان 600 مليون دولار سنوياً للاستمرار بالدعم؟ وما هو مصير الجهات الضامنة؟ وما الغاية من “زكزكة” المستوردين والصيادلة بتخفيض جعالتهم إلى 6 و16 في المئة على التوالي؟ وما مصير المواطنين في حال رفع الدعم؟

 

في الحقيقة لا أحد يملك أجوبة شافية على ما طرحته خطة ترشيد الدعم الجديدة التي أطلقتها وزارة الصحة في مؤتمر صحافي نهاية الأسبوع الماضي. فبدلاً من أن تكون الخطة التي ولدت بعد عامين بـ”التمام والكمال” على اندلاع الأزمة واستنزفت لتاريخه 2.4 مليار دولار محكمة ومن دون أي شوائب، أتت ناقصة وغامضة ولا تحل المشاكل. والإجتماعات التي ستفتح اليوم بين الوزارة والمعنيين في القطاع، لن تصل إلى النتيجة الشافية، حتى ولو تم الإتفاق على الحل، قبل الأسبوع القادم، مع دخول البلد فترة عيد الأضحى لثلاثة أيام. وعليه تستمر أزمة الدواء لأيام فيما المرضى لا يستطيعون الصبر لدقائق من دون أدوية وعلاجات.

 

سعر الإستيراد

 

تفيد مصادر نقابة مستوردي الأدوية بأن العقدة الأولى تتمثل في عجز مصرف لبنان عن الإستمرار في الدعم، وهو كان قد أبلغ الوزارة بضرورة تخفيض فاتورة الدعم عن الأدوية إلى 75 في المئة”. وعليه اذا افترضنا أن الدعم السنوي على الدواء يبلغ 1.2 مليون دولار، فان مصرف لبنان لن يستطيع الدعم بأكثر من 300 مليون دولار أي نصف القيمة التي أعلنت الصحة أنه سيدعمها. وعلى الرغم من خطوة الوزارة الشجاعة، فان تطبيق الخطة كما هي صعب من وجهة نظر المستوردين لسبب بسيط جداً وهو: أن المستوردين سيشترون الدولار على سعر أقله 24 ألف ليرة وسيبيعون الدواء على سعر 12 ألف ليرة وبالتالي سيحققون خسارة 50 في المئة اليوم، وستزيد هذه الخسارة مع كل ارتفاع في سعر الصرف في السوق الموازية. فمن يستطيع في هذه الظروف العمل بخسارة؟ رهان المستوردين الوحيد على ما يبدو هو أن يكون للوزارة هدف ما زالوا يجهلونه من وراء تحديد الأسعار بهذا الشكل. وهم سيتفاوضون مع الوزير وفريق عمله اليوم على آلية التطبيق التي تحل المشكلة. إذ أنه خلافاً لذلك فان أحداً من المستوردين لن يعمد إلى استيراد الأدوية، خصوصاً ان هامش الربح خفض أيضاً إلى 6 في المئة. وهو هامش لا يغطي التقلبات اليومية للعملة حيث ان سعر الصرف يرتفع بأكثر من 6 في المئة يومياً. وبالتالي ستبقى الأزمة معلقة ومن دون حل.

 

“ما يزيد من خطورة الوضع هو عدم دخول البلد حبة دواء واحدة منذ حوالى الشهرين”، بحسب المستوردين. فـ”لا موافقات أعطيت ولا الشركات المصدرة على استعداد لتزويدنا بالأدوية قبل تسديد المستحقات البالغة 600 مليون دولار”. والنتيجة فقدان ما بين 50 إلى 75 في المئة من الادوية وتحديداً تلك العائدة لعلاج الأمراض المستعصية.

 

تفاصيل الخطة

 

على المقلب الآخر سيؤدي رفع الدعم كلياً أو اعتماد سلم متحرك للأسعار أقرب إلى سعر السوق إلى انعدام قدرة المرضى على شراء الأدوية. من هنا لجأت وزارة الصحة إلى تقسيم الأدوية إلى 4 فئات أساسية بحسب نقيب الصيادلة في لبنان د. غسان الأمين، وهي:

 

– الأولى أدوية OTC Over the counter التي تعطى من دون وصفة طبية وقد حدد سعر بيعها على أساس 12 ألف ليرة للدولار في المرحلة الأولى.

 

– الثانية acute disease أي الأمراض الحادة التي تعطى بوصفة طبية حدد سعرها أيضاً بـ 12 ألف ليرة للدولار الواحد مرحلياً.

 

– الثالثة الأمراض المزمنة كالضغط والسكري والقلب… وغيرها أبقي الدعم عليها على أساس 1500 ليرة للدولار.

 

– الرابعة الامراض المستعصية كالسرطان، والمستلزمات الضرورية للعمليات الجراحية كالبنج وخيطان التقطيب والتي أبقي أيضاً الدعم عليها كما هو.

 

وبحسب الأمين فان دعم مصرف لبنان لفاتورة الدواء شهرياً بـ 50 مليون دولار، يكفي للفئتين الثالثة والرابعة من دون زيادة ولا نقصان. الأمر الذي اضطر وزارة الصحة إلى إعطائها الاولوية بالدعم لانها توصف على مدى الحياة وليس لفترة موقتة، كما أن من دونها يفارق المريض الحياة. أمّا بالنسبة إلى الفئتين الأولى والثانية، فكان أمام الوزارة حلان بحسب الأمين: إما رفض رفع أسعارها وتكون النتيجة فقدانها كلياً من السوق. وإما رفع الدعم عنها كلياً وترك حرية استيرادها وبيعها بحسب سعر السوق، وبذلك تكون الوزارة تخلت عن دورها الرقابي في القطاع وحرمت القسم الاكبر من اللبنانيين من الحصول عليها نتيجة ارتفاع أسعارها. وأمام خطورة الخيارين اضطرت الوزارة إلى اعتماد سعر 12 ألف ليرة لهذه الادوية على أن يتغير هذا السعر بشكل دوري وتدريجي تبعاً لتغير الظروف.

 

الإفراج عن الدواء المخزن

 

المشكلة أن هذا القرار سيؤدي إلى خسارة المستوردين للأدوية في الفئتين الأولى والثانية. وفي العلم التجاري لا فرق إن كانت الخسارة 50 أو 100 في المئة لان لا أحد يتاجر ليخسر، ما سيؤدي حكماً إلى توقف الإستيراد. إلا انه من وجهة نظر الأمين فان “الوزارة اعتبرت أن هناك مجموعة من الأدوية مستوردة منذ فترة (عندما كان سعر الصرف بين 12 و15 ألف ليرة) وغير موزعة لغاية الآن، وبيعها على سعر 12 ألف ليرة لا يشكل خسارة بالنسبة للمستوردين. فلتُبَع إذاً على سعر 12 ألف ليرة على أن تتغير التسعيرة للطلبيات الجديدة”. وبالفعل ما إن رفع الدعم حتى ظهرت أدوية كانت مقطوعة في السوق ومنها على سبيل المثال Panadol Advance الذي بيع بـ 45 ألف ليرة بدلاً من 7000 ليرة.

 

لا حل جذري

 

ما يفهم من خطة الوزارة أن طلبيات الإستيراد الجديدة ستُسعر بعد نفاد المخزون على سعر صرف أقرب إلى السوق الموازية. لكن ماذا عن الطلبيات المستوردة بقيمة 600 مليون دولار ولم يسدد ثمنها؟ وماذا عن قدرة المواطنين في الحصول على حاجاتهم من الادوية في المستقبل القريب جداً؟ يجيب الأمين أن “الأمر يتطلب أقصى درجات المسؤولية، وعلى المركزي تسديد ثمن الأدوية المستوردة والبدء من جديد على قاعدة دعم واضحة ومحددة بدقة”.

 

أما بالنسبة إلى المواطنين الذين اقترح عليهم وزير الطاقة أن “يركبوا شي تاني”، عندما يرفع الدعم عن البنزين، فان وزارة الصحة اقترحت التوجه إلى مراكز الرعاية الأولية. فهل هو الحل؟ “بالتأكيد لا”، تجيب مصادر متابعة. “مقترحة إنشاء منصة للحصول على الأدوية بسعر مدعوم للأشخاص الأكثر حاجة”. معضلة الأسعار تقابلها معضلتان لا تقلان اهمية تتمثل الأولى بجعالة الصيادلة التي خفضت من حدود 23 في المئة إلى 16 في المئة ومصير الجهات الضامنة. وفي الجهتين الموضوع بحاجة إلى بحث عميق. وبحسب الأمين فان تخفيض الجعالة مؤذ للصيادلة ويجب أن يحدد بحسب أسعار الأدوية حيث ينخفض على الادوية المرتفعة الثمن ويبقى معتدلاً على الأدوية الرخيصة. وعلى الجهات الضامنة الإنتقال إلى الأدوية الجنيسة generic بشكل كامل مع فتح باب استيرادها من الدول المشهود لها في هذا المجال.

 

في جميع الحالات لا حل شافياً لغاية الآن لأي موضوع يتعلق بالدواء ومصير المواطنين والتجار والصيدليات والجهات الضامنة. مع العلم أنه كان أمام المسؤولين المتسع من الوقت لحلحلة كل العقد وتذليل كل الصعاب. إنما مع الأسف تبقى المماطلة والتسويف حجة للحفاظ على مصالح البعض.