لم يكن قد مرّ عشرة أيام على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران حتى عاودت الرسائل الحربية ظهورها في الخليج. لكن الضربات العسكرية التي تبادلتها واشنطن وطهران جاءت محسوبة بدقة، بحيث لا تتسبب في انهيار كامل لوقف إطلاق النار، وبالتالي لا تنسف مذكرة التفاهم التي تمّ توقيعها. لذلك، فهي وضعت في إطار السعي لتثبيت وقائع ميدانية أكثر منه لنسف إتفاق الإطار. وهي احتكاكات تهدف لاختبار الخطوط الحمر الجديدة لبعضهما البعض. وحيث يسعى كل طرف للقول إنّه صاحب الكلمة الأخيرة في الميدان.
لكن تبادل هذه اللكمات الحربية يترافق مع لكمات سياسية تلقّتها طهران من المنامة، حيث عُقد اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، ومن واشنطن حيث تمّ توقيع مذكرة تفاهم بين لبنان وإسرائيل. ففي اجتماع المنامة، تمّ التأكيد أنّ تحقيق السلام في المنطقة «يتطلّب التصدّي لكل أشكال التهديدات الإيرانية، بما فيها الصواريخ الباليستية والمسيّرات ودعمها للوكلاء في المنطقة». وكذلك التمسّك بالمسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. وكانت الرسالة واضحة في حضور ماركو روبيو، بالقفز فوق التفسيرات التي تمّ تسويقها إثر مذكرة التفاهم الصادرة في بورغنشتوك.
لكن اللكمة الأقوى جاءت من واشنطن، مع الإعلان عن توقيع مذكرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، والتي قفزت فوق نتائج ورقة بورغنشتوك. وكان يمكن الإستنتاج بوجود خيوط خلفية تربط بين بيان المنامة ومذكرة واشنطن. ويحلو للبعض أن يصف ما حصل بالحركة التصحيحية داخل «القرار الأميركي». فالتفسيرات التي تمّ تسريبها لبنود ورقة بورغنشتوك، والتي عمدت طهران للتسويق لها، جرى الإلتفاف عليها سريعاً بدفع خليجي واضح، والتي لاقاها ضغط داخل أروقة القرار الأميركي مارسته القوى المتعاطفة مع إسرائيل.
ومع عودة روبيو إلى واشنطن، انطلقت جولة المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية الخامسة وسط أجواء صعبة. وبالفعل كادت هذه المفاوضات أن تنهار بعد ظهر الخميس، حين انتهى الإجتماع على توتر وعلى فشل في الإتفاق على بنود ورقة النيات. لكن مشاورات عاجلة جرت بين السعودية وقطر من جهة ووزير الخارجية الأميركي من جهة أخرى، أنتجت ضغوطاً أميركية على إسرائيل، عبر اتصالات أجراها روبيو مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وأدّت في نهاية المطاف إلى العودة في اليوم التالي إلى الإجتماع مجدداً وتعديل بعض النقاط، تمهيداً للإعلان عن ولادة مذكرة التفاهم. وهذا ما حصل.
في الواقع، بدا أنّ العواصم الخليجية نجحت في إعادة تصويب التفسيرات التي رافقت ورقة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية. وخلال جلسات التفاوض الصعبة كان التواصل قائماً باستمرار عبر الهاتف بين قصر بعبدا ووزير الخارجية الأميركي، إضافة إلى السعودية عبر الأمير يزيد بن فرحان، وقطر عبر رئيس الحكومة محمد عبد الرحمن آل ثاني، وكذلك مصر وبريطانيا وفرنسا. فخلال جلسات التفاوض كان الوفد الإسرائيلي يعمد إلى التراجع عن بنود كان قد سبق التفاهم عليها، بذريعة أنّ المستوى السياسي في إسرائيل رفضها بعد إطلاعه عليها. وكانت أبرز العِقَد تلك المتعلقة بالمناطق التجريبية. وعلى سبيل المثال، كانت إسرائيل تتمسّك بإدراج تلة علي الطاهر من ضمن المنطقة التجريبية الأولى. لكن لبنان رفض المبدأ، وعلى قاعدة أنّ المنطقة التجريبية يجب أن تشمل منطقة احتلتها إسرائيل كلياً، وهو ما لا ينطبق على تلة علي الطاهر، حيث يصبح المقصود هنا إنجاز خطوة ميدانية عجزت إسرائيل عن تحقيقها. وهنا وزّعت إسرائيل عبر الإعلام أنّها باتت تسيطر على تلة علي الطاهر وهو ما لم يكن صحيحاً. فالمعلومات العسكرية كانت تشير إلى أنّ إسرائيل لم تستطع السيطرة على التلة، على رغم من أنّها باتت تطوقها بالنار بإحكام من كل الإتجاهات. وبات معروفاً وجود عناصر لـ«حزب الله» في النفق داخل التلة.
سياسة
وكان الرئيس نبيه بري قد اقترح سابقاً أن يتمّ تطبيق المناطق التجريبية وفق مقياس الأقضية. لكن الواقع الميداني لا يسمح بذلك، كون الإحتلال الإسرائيلي القائم في الجنوب لديه انتشار مختلف. وهنا طلب الجيش اللبناني تحديد قطاع واسع تحتله إسرائيل بكامله. وتمّ الإتفاق عل المنطقة الساحلية جنوب صور، والتي تبدأ من البياضة امتداداً إلى مناطق أكثر عمقاً. وبالفعل باشر الفريق العسكري الموجود في واشنطن بوضع الخرائط والخطط قبل أن يتوقف كل شيء، بعدما أبلغ الوفد الإسرائيلي تراجعه بسبب عدم موافقة تل أبيب. وعاد البحث مجدداً من النقطة صفر، مع تمسّك الوفد العسكري بأن تكون المنطقة التجريبية داخل الخط الأصفر. وبعد مماحكات إسرائيلية تمّ التوافق على منطقتي زوطر الغربية وفرون. وتمّ اعتمادهما على رغم من أنّ هاتين المنطقتين لا تخضعان لسيطرة عسكرية إسرائيلية كاملة. لكن لبنان كان يريد تسجيل الإنطلاق في مسار «المنطقة التجريبية» وتسجيل مبدأ شروع إسرائيل بالإنسحاب، ولو من منطقة محدودة، بهدف إظهار النتائج على الأرض.
كذلك راوغ الوفد الإسرائيلي كثيراً في موضوع تثبيت وقف شامل لإطلاق النار. فهو كان يتمسّك بحق «الدفاع عن النفس» إزاء التهديد المباشر، وهو ما يعني ضمناً استمرار سلوك ما بات يُعرف بحرّية الحركة. ولذلك كانت الخروقات الإسرائيلية تستمر وتتصاعد في موازاة المفاوضات الدائرة.
وكان الوفد الإسرائيلي يركّز على نقطة أساسية وهي سلاح «حزب الله» وتفكيك تركيبته العسكرية. كما كان يصرّ على أن تكون منطقة جنوب الليطاني خالية تماماً من أي سلاح خارج نطاق السلطة اللبنانية. وعند الثالثة بعد ظهر الخميس عاد الوفد الإسرائيلي ليتراجع عن عدد من البنود التي كان تمّ التفاهم حولها، طالباً تعديلات جديدة، بعضها يطاول جوهر السيادة اللبنانية، كمثل رفض إسرائيل إدراج عبارة «الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً» بحجة واهية، أنّ الحدود اللبنانية غير مسجلة في الأمم المتحدة. وهذا كلام غير صحيح كلياً. وهنا بدا أنّ المفاوضات انهارت. فتمّ صرف النظر عن المؤتمر الصحافي الذي كان مخصصاً للإعلان عن ورقة التفاهم. وبعد مغادرة الوفود، باشر وزير الخارجية الأميركي ضغوطه إثر التدخّل السعودي والقطري. وتمسّك روبيو بالتزام أميركي حاسم وغير قابل لأي نقاش، بانسحاب إسرائيلي كامل من كل الأراضي اللبنانية، وبالتزام إسرائيل بذلك. وكانت وجهة النظر الأميركية، أنّ كل الحروب لا تنتهي باتفاق مثالي. فإما يكون اتفاق استسلام، كما حصل نهاية الحربين العالميتين الأولى والثانية إثر خسارة كاملة، أو عبر تسوية تتضمن تنازلات الطرفين في حال لم يكن هنالك حسم عسكري، كما هو الوضع «عندكم في لبنان».
أخبارلبنان
ووفق التعريف الدولي لمذكرة التفاهم، فهي ورقة مكتوبة تعكس النيات المشتركة للأطراف التي وقّعتها، ولكنها ليست ملزمة من الناحية القانونية. وهو ما ينطبق على ورقة واشنطن كما على ورقة بورغنشتوك. وأهمية ورقة واشنطن بالنسبة إلى الإدارة الأميركية كما بالنسبة لدول الخليج أنّها تفصل لبنان عن إيران. فالتفسيرات التي نتجت من ورقة بورغنشتوك تحدثت عن وقف لإطلاق النار أنجزته إيران، وعن خلية تضمّ إيران لمراقبة الوضع في الجنوب. أما في ورقة واشنطن، فإنّ الإتفاق يضمن انسحاب إسرائيل، خصوصاً إذا ما نجحت المناطق التجريبية وأظهر لبنان جدّية في تطبيق هذا المبدأ. والفارق بين تفسيرات بورغنشتوك وواشنطن، أنّ الأولى تلحظ منطقة جنوب الليطاني خالية من السلاح غير الشرعي، في مقابل ترك ملف السلاح شماله لحوار بين الدولة و«حزب الله»، أي وجود أثمان داخلية وربما الذهاب إلى صياغة جديدة للدستور اللبناني. أما تفسير ورقة واشنطن فهو يتلخّص بمبدأ سحب السلاح في كل لبنان مقابل الأرض. أي الفصل بينه وبين أي مطالب داخلية، إضافة إلى وضع كل الملف الجنوبي بيد الدولة اللبنانية ومن دون شراكة إيرانية.
لكن ما لفت في ورقة واشنطن عدم ذكر «الميكانيزم» بتاتاً. فوفق المسار السابق كانت لجنة «الميكانيزم» هي من تتولّى مهمّة التواصل ما بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي لتنسيق الوضع الميداني جنوباً. وبالتالي، من سيتولّى إبلاغ الجيش اللبناني عن الترتيبات المفترضة حول المناطق التجريبية. ولقد حاول الوفد الإسرائيلي جاهداً طوال المفاوضات فتح قنوات التواصل المباشر بين الجيشين، وهو ما رفضته قيادة الجيش اللبناني. وحتى ظهر أمس لم تكن قيادة الجيش قد تبلّغت أي شيء من «الميكانيزم» حول انسحابات من المنطقة التجريبية المقترحة، ولو أنّ إسرائيل لا تحتل كل المساحة المقترحة. ولكن قائد «سينتكوم» الجنرال براد كوبر، والذي سيزور لبنان اليوم، هو من سيتولّى إبلاغ قيادة الجيش بالترتيبات المقترحة لتطبيق المنطقة التجريبية، وهو ما يزيد من علامات الإستفهام حول انتهاء عمل لجنة «الميكانيزم» فعلياً.
هيئاتتنفيذية
وإضافة إلى الملف الجنوبي، هنالك جانب آخر شديد الخطورة، تركّز عليه قيادة الجيش، وهو الوضع الداخلي، خصوصاً إثر التحركات التي شهدها الشارع بعد توقيع ورقة التفاهم. فالإتفاق الذي شكّل صفعة سياسية لطهران، والذي حاكى نفوذها على الساحة اللبنانية وشكّل انعطافة على ورقة بورغنشتوك، كان لا بدّ من مراقبة ردّ فعلها على ما حصل. لكن «حزب الله» التزم سياسة ضبط النفس عسكرياً في الجنوب على رغم من الخروقات الإسرائيلية، وهو الذي كان أعلن دائماً عن عدم العودة إلى وضع ما قبل الثاني من آذار. أما في العاصمة، فهو أطلق مسيراته عبر الدراجات النارية، وعَمَد إلى إقفال طريق المطار لبعض الوقت. ومع التدخّل الحازم للجيش تراجع المتظاهرون، ما أوحى بعدم وجود قرار بالذهاب أبعد من ذلك. وحتى رسالة إحراق صورة «لبنان أولاً» لإحلال صورة العلم الإيراني مكانها، لم تكتمل، وبقيت محاولة يتيمة. صحيح أنّ وحدات الجيش انتشرت بقوة خصوصاً عند مداخل الضاحية الجنوبية لبيروت والنقاط الفاصلة الحساسة، لكن الواقع المعيشي الصعب لأفراد الجيش يجعل من الصعوبة بمكان إبقاء حال الجهوزية والإستنفار لمدة طويلة. من الواضح أنّ قرار الحزب هو بعدم الإصطدام بالجيش أقلّه حتى الآن. ولهذا القرار إمتداداته الإيرانية من دون شك. ويمكن استشفاف ذلك أيضاً من خلال كلام الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، والذي لم يكن عالي السقف كثيراً. وكذلك جاء موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري. وفي المناسبة، فإنّ بري كان على اطلاع دائم بمجريات مفاوضات واشنطن رغم نفيه ذلك إعلامياً، والجميع يتفهم أسبابه وظروفه. ولذلك، ربما جاء الموقف العنيف للنائب محمد رعد. ويمكن وضعه في سياق التعويض الإعلامي للبيئة التي تلقّت صدمة حيال ما صدر من واشنطن.
تاريخ
لكن لتروي «حزب الله» أسباباً تتعلق بحسابات إيرانية لها علاقة بمفاوضات الـ60 يوماً وضرورة تبيان أفقها. وتكشف مصادر ديبلوماسية أوروبية، أنّ طهران التي لا تزال تحتفظ بتواصل معقول مع فرنسا، طلبت من باريس ضرورة عدم التشويش واستهداف ورقة بورغنشتوك. وهو ما يدفع إلى الإستنتاج أنّ طهران حريصة على عدم خسارة بنود ورقة التفاهم، والتي تعتبرها مكسباً لها. قد تكون تريد تحسين شروطها ولكن ليس نسفها.
كذلك ثمة محاذير لبنانية داخلية. فذهاب «تظاهرة الدراجات النارية» إلى ساحة رياض الصلح، يحمل رسالة واضحة موجّهة إلى السعودية، وهي التي قادت «الحركة التصحيحية» على الإتفاق الأميركي ـ الإيراني. لكن البيان التحذيري الصادر عن العشائر العربية والمعروف عنها ارتباطها بالمناخ السعودي، حمل رسائل معاكسة تجاه إيران. وهذا ما يدفع إلى إجراء حسابات معمّقة قبل الإقدام على أي خطوة. خصوصاً أنّ ورقة واشنطن أعطت الحكومة اللبنانية الحق بطلب تدخّل أي دولة عربية للمساعدة. والمقصود هنا طبعاً سوريا، على رغم من أنّ الهمسات الديبلوماسية تتحدث عن رفض إسرائيلي بالسماح لأحمد الشرع بإرسال قوات إلى لبنان.
سياسة
خلال وجوده في مكتبة ريتشارد نيكسون للترويج لكتابه «communion»، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إنّه إذا حدثت «ووترغيت» غداً، فستكون مثل خبر الـ12 ساعة لتنتهي بعدها. ففكرة أنّها أسقطت رئاسة، هي فكرة مجنونة. وأضاف فانس: «الدولة العميقة هي التي أطاحت بنيكسون، والفكرة ليست مختلفة كثيراً عمّا حاولت المؤسسات نفسها فعله مع ترامب خلال ولايته الأولى». من الواضح أنّ فانس يعكس بكلامه سياسة البيت الأبيض، ومفادها أنّ الضغط الفضائحي أو السياسي وحتى الإنتخابي عليه لن يجعله يحيد عن الأهداف التي يريدها. وهو ما يجب أخذه في الإعتبار.