IMLebanon

ساحات الشرق الأوسط مفتوحة لـ«ماشا»

أن يتعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوحيد الأميركيين في خطاب القسم، فهذا يعني أنه يُدرك جيّداً حجم المخاطر الداخلية التي واكبَت انتخابه والمرشّحة لأن تصبح أكثرَ خطورة لاحقاً، وإقرارُ ترامب بذلك على رغم صفات التعالي والغرور والفوقية التي يتمتّع بها، معناه أنّ النزاع الداخلي أكبر ممّا هو ظاهر، وقابلٌ لأخذ طريق أشدّ خطورة.

حتى ابنة ترامب التي من المتوقع أن تلعب دوراً كبيراً في البيت الأبيض إلى جانب زوجها كبيرِ موظفيه، فقد دعت إلى إعطاء والدها الفرصةَ لكي يُثبت أنه ليس كما يجري تصويره.

ولم تكن مسألةً مألوفة قيام تلك التظاهرات الواسعة في أرجاء البلاد تنديداً بوصول ترامب بالتزامن مع احتفال تنصيبه. وقيل إنّ تظاهرة واشنطن وحدها شهدت مشاركة نصفِ مليون أميركي وأميركية، بعدما كانت التوقعات تشير في أفضل حالاتها إلى مشاركة نصف هذا العدد.

وبهدفِ إعادة استيعاب معارضيه داخلَ أجهزة السلطة ومؤسساتها في الولايات المتحدة الاميركية، اختارَ ترامب أن يكون مقرّ المخابرات المركزية الاميركية CIA في لانغلي ـ فرجينيا أول محطة داخلية له بعد دخوله البيتَ الأبيض.

فالنزاع كان عنيفاً بين الجانبين طوال المرحلة التي سبقت انتخابه، وهو تفاقم خلال المرحلة التي تلت وكان فيها رئيساً منتخباً.

صحيح أنّ النزاع انفجَر في ضوء ما سُرِّب إلى قناة «سي أن أن» حول وجود ملف جنسي فضائحي عن ترامب في يد السلطات الروسية، ما يَجعله رهينة لها، لكنّ ترامب كان قد استبَق ذلك برفضه الاطلاعَ على التقارير اليومية السرّية للوكالة، مردّداً أنه يعرف أفضلَ عنها، وهو ما أعطى إشارةً مبكرة الى أنّ ترامب عازم على قلبِ الوكالة من أساسها وإعادة نفضِ التعيينات فيها والمواقع برُمّتها لكي تصبح منتجة ومفيدة من وجهة نظر ترامب، وهذه الخطوة وصَفتها الوكالة بأنّها ستعني تدميرَها.

وفي الزيارة التي قام بها ترامب، أراد التخفيف من التوتّر السائد من خلال طمأنةِ الوكالة، وهو الذي يدرك مدى نفوذها داخل البلاد وخارجها. وقال في وضوح إنّه يَدعم العاملين في الوكالة بنسبة الف في المئة، مضيفاً انّ ثمّة حاجة الى كلّ الإمكانات الموجودة فيها لمواجهة إرهابيّي «داعش».

لكن ما نقلته شبكة «سي أن أن» الاميركية لاحقاً عن مدير الوكالة السابق جون برينان تضمّنَ انتقاداً لكلمة ترامب امام نصبٍ تذكاري يخلّد ذكرى قتلى الوكالة، حيث تحدّث عن نفسه وعن مراسم تنصيبه ونزاعه مع الإعلام وليس عن رمزية النصب وأهمّية دور الـ CIA.

لكنّ الأسوأ استمرار الحرب المفتوحة بين ترامب ووسائل الإعلام، الى درجة انّ الصحيفة الأولى في اميركا والأكثر رصانةً وصدقية، وصَفت الحكومة الاميركية أو الإدارة التي باشرت تولّي مهمّاتها بأنها «عديمة الخبرة.. والأسوأ» في تاريخ البلاد.

وأوردت انّ الرجل الذي سيتولى وزارة الطاقة مثَلاً، وهو ريك بيري حاكم تكساس والمرشح السابق للرئاسة، كان قد دعا خلال الحملات الانتخابية عام 2012 إلى إلغاء هذه الوزارة بالذات.

لكن بعيداً عن ذلك، فإنّ رجال إدارة ترامب يعطون فكرةً واضحة حيال السياسة المقبلة لواشنطن، خصوصاً أنّ كثيرين يعوّلون عليهم لـ»عقلنةِ» سياسة ترامب.

صحيح أنّ مزيج رجال الأعمال والجنرالات المتشدّدين يَبعث على القلق، لكنّ شهادات هؤلاء امام الكونغرس كانت معقولة بالنسبة الى معارضي ترامب.

وأبرزُ رجالات إدارة ترامب والذين سيؤثّرون في السياسة الاميركية هم:

– نائب الرئيس مايكل بنس والذي كان حاكماً لولاية انديانا والمعروف بتوجّهاته المحافظة.

– وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس وهو الأكثر تشدّداً تجاه روسيا والأكثر دعماً للحلف الاطلسي، كما أنه يدعم الاتفاق النووي مع إيران لكن مع انتهاج سياسة تحدّ من توسّعِ النفوذ الايراني. كما أنّه معارض لسياسة الاستيطان الإسرائيلية. والواضح أنّ ما يؤمِن به ماتيس يتعارَض مع ما يعلِنه ترامب، لكنّ اهمّية ماتيس أنه سيتولّى رسمَ خططِ المعركة ضد «داعش» وهو ما يعطيه هامشاً واسعاً.

وكان لافتاً أنّ البحرية الأميركية قدّمت خطة، كان قد طلبَها ماتيس، تقوم على انتشار جديد للقطع البحرية الاميركية في العالم، ووفق مفهوم توسّعي وصِف بأنه الأكبر منذ انتهاء الحرب الباردة.

– وزير الخارجية ريكس تيلرسون، وهو بعكسِ ماتيس، على علاقة وثيقة بالزعماء الروس، ولو أنه خلال شهادته امام الكونغرس تحدّثَ عن الخطر الذي تمثّله روسيا على مصالح بلاده.

– المدّعي العام جيف سيشنز، وهو كان سيناتور ألاباما والذي يدعم تطبيق قوانين الهجرة بنحوٍ صارم واتّخاذ إجراءات اكثر حزماً تجاه الجريمة، وهو ما يعكس السياسة المتشدّدة التي يودّ ترامب انتهاجَها داخلياً.

– مستشار الأمن القومي الجنرال المتقاعد جون كيلي والذي سيبدأ بتحقيق وعدِ ترامب ببناء الجدار الفاصل مع المكسيك وإطلاق عمليات ترحيل واسعة النطاق، ولكن بعد إعطاء ترامب القرار بذلك.

وإذا كان الوجه المتشدّد هو الغالب على الإدارة الاميركية الجديدة، إلّا أنّ إشارات عدة جَعلت حلفاء الولايات المتحدة الاميركية في حال قلق.

أولى هذه الإشارات تمسُّك ترامب بشعار «أميركا اولاً»، إضافةً الى كلامه عن إعادة صياغة عدد من المواقف السياسية وعقدِ تحالفات جديدة.

أمّا ثاني هذه الإشارات، فهو الطلبُ من جميع السفراء الاميركيين الذين عيّنهم سَلفه بمغادرة مكاتبهم منتصف يوم تنصيبه، من دون إعطائهم فترةَ سماح، ما يعني وضعَ حدّ فاصل مع سياسات كلّ من سبَقه ولو أدّت تلك الخطة الى فراغ في السياسة الخارجية وعدم اتّزان لأشهر عدة.

وبعد ساعات فقط على تنصيب ترامب، أجرت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا تدوينةً معبّرة، حيث كتبَت: «مرحباً… هيّا اخرج ماشا»، وماشا شخصية كرتونية مشهورة لدبّ روسي.

وقد تكون مصادفة أو لا تكون أن يجري الإعلان عن توقيع اتفاق روسي ـ سوري حول قاعدة طرطوس البحرية بالسماح بدخول قطعٍ بحرية نووية وفق معايير محددة، وذلك تزامناً مع دخول ترامب الى البيت الابيض. ويؤشّر الاتفاق الى توسيع وتكثيف المواقع العسكرية قرب الساحل السوري لحماية القاعدة البحرية.

كلّ ذلك على بُعد زمنٍ قصير من مؤتمر أستانة والذي ستشارك فيه واشنطن على مستوى سفير، والهادف لإنجاز تسوية سياسية تاريخية في سوريا تَمنح موسكو نفوذاً أوسع في الشرق الاوسط ولو على قاعدة التنسيق مِن خلف الكواليس مع واشنطن.