IMLebanon

مسيحيو الأرياف سيحددون مشهد “منطقة الشرق الأوسط” المقبل

 

زادوا عددياً وتراجعوا نسبياً

 

 

… وبينما تسقط آخر ورقة من روزنامة 2022، هناك من يسأل في الخفاء وعبرالقنوات وعلى هامش القمم عن مصير آخر مسيحيي الشرق الأوسط. فهل نحن قد دخلنا حقاً في مرحلة إندثار هؤلاء في منطقة يتغرّب مسيحيوها وعلى مشارف أن يُصبحوا على “آخر نفس”؟ هل صحيح أن أحلى الخيارات أمام المسيحيين أصبح مرّاً؟ ماذا تقول آخر دراسات الديموغرافيا والدراسات الإجتماعية – الإقتصادية عن مسيحيي الشرق الاوسط؟

 

قبل أن نبدأ دعوة من الفاتيكان: صلّوا الى البابا بيندكتوس السادس عشر. هو صلى كثيراً من أجل السلام في منطقة الشرق الاوسط داعياً “أن يتمكن المسيحيون من الإحتفاظ بديارهم”. نصلي اليوم له ولكل أهالي المنطقة مسيحيين ومسلمين “ليبنوا معاً بلادهم”.

 

التشاؤم كبير. التعابير المستعارة موجعة. والوضع يراه البعض ميؤوساً منه. عدد المسيحيين الأقباط في جمهورية مصر العربية تراجع من أكثر من 15 في المئة من نسبة سكان مصر في بداية القرن العشرين الى أقل من 10 في المئة في بداية القرن الواحد والعشرين. وفي لبنان إنخفضت النسبة من 55 في المئة في بداية القرن العشرين الى ما دون 41 في المئة في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. أما في سوريا فانخفض عدد المسيحيين من 25 في المئة من إجمالي عدد السكان في بداية القرن العشرين الى 10 في المئة فقط لا غير في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. وحال العراق أيضا حال، حيث انخفض العدد من نسبة 10 في المئة في بداية القرن العشرين الى ما دون واحد في المئة في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين… نسب وأرقام تتكلم ومن مضامينها نتأكد أن الآتي مختلف. فماذا عن الآتي؟ هل علينا ان نتكهن؟ أن نتشاءم؟ وهل هناك إستحالة في إعادة اللحمة بين مسيحيين ومسلمين في منطقة باطنها يتغير؟

 

قبل أقل من عامين، طرحنا سؤالاً على أحد المطارنة في لبنان: هل تخشى سيدنا أن يهاجر المؤمنون وتصبح كنائسنا شاغرة فارغة؟ فأجاب حاسماً جازماً: “نحن لا نعدّ بعضنا. ما يهمنا هو قيمة حضورنا في هذه الأرض وفي هذا الشرق. “كتار قلال” لا يهم. رُسل المسيح كانوا 12 واستطاعوا إيصال الشهادة الى كل الأمبراطورية الرومانية”.

 

لا تناقص

 

كنائس الشرق الأوسط لن تفرغ من المسيحيين. رجال الدين يُطمئنون. لكن ما نراه مختلفاً. عدد المؤمنين في الكنائس يتناقص فهل ما نسمعه غير أكيد لكنه ليس مستحيلاً؟ هل سنصل الى وقتٍ لا نلاقي فيه في كنائسنا غير الصدى؟ وماذا لو ذاب هؤلاء في دولٍ هاجروا في هذه اللحظة الزمنية إليها؟ وماذا عن الحال الإقتصادية المزرية في المنطقة؟ هل تكون سبباً آخر من أسباب هجرة المسيحيين من منطقة الشرق الأوسط الى حدّ اللاعودة؟

 

أستاذ علم الإجتماع الإقتصادي والإدارة المالية وإدارة الموارد البشرية البروفسور إبراهيم مارون بحث في شؤون ديموغرافيا مسيحيي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين بداية القرن العشرين والعقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. فأيّ نتائج خلص إليها؟ يأبى البروفسور الإجابة قبل أن يمحص مجدداً الأرقام والمعطيات. وحين يفعل يجيب: “لا، لست خائفاً على مسيحيي الشرق الأوسط…شرط…”. لا خوف على المسيحيين بمنطوق وتحليل أستاذ علم الإجتماع الإقتصادي “شرط أن تنتبه الكنيسة الى جملة عناصر”.

 

فلنبدأ معه من الألف، منذ اللحظة: هل تناقص عدد المسيحيين بالأرقام؟ يجيب “كثيرون يتحدثون عن تناقص العدد لكن الدراسات التي أنجزتها أكدت أن لا تناقص. فقد كانوا في أوائل القرن الواحد والعشرين بين ستة وسبعة ملايين وأصبحوا اليوم بين 18 و24 مليوناً. المسيحيون زادوا عددياً لكن نسبتهم تضاءلت قياساً على مجموع السكان، فبعدما كانوا يتراوحون بين 15 و20 في المئة أصبحوا بين ثلاثة وأربعة في المئة. العدد زاد لكن النسبة تضاءلت”.

 

دائما، الأرقام حمالة أوجه. نتابع الإصغاء الى البروفسور في علم الإجتماع الإقتصادي وهو يشرح أسباب تراجع النسبة “هجرة الشباب جعل معدل الخصوبة يتراجع – ومعدل متوسط الخصوبة الأوسط يقاس للنساء بين سن 14 و44 عاما – وأدى ذلك الى تراجع في نسبة المسيحيين من مجموع عدد السكان”.

 

المسيحيون يهاجرون الى دول الخليج العربي ونسبة هؤلاء كانت في آخر عشرية من القرن العشرين نحو مليون نسمة أما اليوم فارتفع عدد المسيحيين هناك الى ثلاثة ملايين. والجيد في هذه النقطة بحسب البروفسور مارون “أن الهجرة الى دول الخليج العربي موقتة وهي رادعة من الهجرة نحو الغرب التي تتحول الى دائمة”.

 

أمور كثيرة “تدفش” المسيحيين الى الهجرة بينها “الأنظمة الإشتراكية التي تعزّز حضورها منذ خمسينات وستينات القرن الماضي، يوم كان المسيحيون أصحاب المؤسسات الكبرى فأتت تلك الأنظمة وأمّمت، ما دفع كثيراً من المستثمرين والعاملين المسيحيين الى الهجرة الطويلة” يتابع مارون “الوجود المسيحي طالما ارتكز، منذ أكثر من مئة عام، على الرأسمال البشري الذي كان وراء الإستثمار في التعليم. وقد جعل منهم ذلك حاجة الى دول الشرق الأوسط على مختلف الأصعدة. لكن، مع مرور الوقت، بدأت الدول العربية في الإستثمار في التعليم أيضاً وأسّست جامعات تضاهي الجامعات التي أسسها المسيحيون، وخرّجت إداريين وقضاة ومحامين وأطباء ومهندسين…”.

 

هكذا يعمل البروفسور على توصيف الواقع قبل أن يعود للحديث عن أسباب أخرى لتراجع خصوبة المسيحيين “يجب أن ننتبه الى أن أعلى نسبة خصوبة عند المسيحيين، لا بل أعلى خزان بشري للمسيحيين، موجود في المجتمع الريفي الزراعي. وليس سرا القول أن الوجود المسيحي ضُرب في كل الدول الشرق أوسطية. المزارعون “فلوا”، “هشلوا”، بسبب السياسات التي اعتمدت وساهمت، بشكلٍ أو بآخر، بضرب الزراعة في مجتمعات تحولت الى الإشتراكية. المزارعون هم من يشكلون- أو من كانوا يشكلون- معدلات الخصوبة الأعلى. هؤلاء المسيحيون الريفيون هُجروا أيضا ليس في لبنان وحسب بل في مختلف منطقة الشرق الأوسط”.

 

فقر وبطالة

 

ونحن نصغي الى المعلومات نستعين بأرقام دونها البروفسور في علم الإجتماع الإقتصادي عزّزت تزايد نسبة الفقر والبطالة وتراجع عدد المسيحيين في المنطقة: معدل البطالة عند الشباب (بين 15 و24 عاماً) في مصر وصل في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين الى 23,39 في المئة ومعدل الفقر ارتفع الى 32,5 في المئة. أما في لبنان فوصل معدل البطالة الى 62,3 في المئة ومعدل الفقر تجاوز 30 في المئة. وفي سوريا وصلت نسبة البطالة بين هؤلاء الى 25,24 في المئة ومعدل الفقر زاد عن 80 في المئة. وفي الأردن هناك نسبة 40,68 في المئة من الشباب عاطلة عن العمل ونسبة الفقر وصلت الى 56 في المئة. في العراق نسبة البطالة 27,16 في المئة ونسبة الفقر 41 في المئة. اما في فلسطين فنسبة البطالة 41,96 في المئة ومعدل الفقر 30 في المئة… أرقام ونسب تنذر بأن الآتي صعب عظيم. فكيف يمكن ان نقول الى هؤلاء الشباب، مسيحيين ومسلمين، تجذروا في أراضيكم؟ والخوف كل الخوف على المسيحيين الذين إذا غادروا لن يعودوا وسيتغير وجه الشرق الأوسط.

 

فلنسأل عن المحصلة. ماذا في الرؤية العامة؟ يجيب البروفسور مارون “لا يمكن لأحد أن ينكر أن الوضع ليس حسناً لكن إعادة تصويبه غير مستحيلة. لذلك، لا يجوز شبك الأيدي والقول: مسيحيو منطقة الشرق الأوسط الى زوال. هناك أمور كثيرة يمكن القيام بها من أجل إحداث نمو ديموغرافي عند المسيحيين وبينها: وجود أنظمة ديموقراطية في الشرق الأوسط ودول قانون ومساواة وحريات عامة وفردية واستقرار أمني وسياسي وإقتصادي. هذه شروط أساسيّة إذا أرادوا الإبقاء على الوجود المسيحي في المنطقة بدل الإبقاء على رثاء الوجود المسيحي. اللاعدالة الإجتماعية واللامساواة بين الناس تدفعان – وستظلان تدفعان المسيحيين الى الهجرة”.

 

الديمقراطية شرط

هناك نظرات سوداوية. لكن، في المقابل، يتحدث مارون عن نظرة إيجابية ويقول “لن يبقى الوضع كما هو عليه اليوم. العالم يتغيّر بطريقة سياسية سريعة خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط. إنه يعيش اليوم مخاضاً سيؤدي حتماً الى أنظمة ديموقراطية تعدّ شرطا لا بُدّ منه لاستمرار المسيحيين في المنطقة. الديموقراطية شرط أساسي لكن إحياءها قد يطول، لذلك، مطلوب في هذه المرحلة، الى حين تتحقق، دعم العائلات المسيحية الفقيرة ومتوسطة الحال، ويقع ذلك على عاتق الأوقاف. المسيحيون، على اختلاف مذاهبهم، وفي كل مناطق الشرق الأوسط، يملكون أوقافا غير مستثمرة بطريقة صحيحة. مطلوب من الكنيسة المسيحية اليوم الإستعانة بالإختصاصيين وإشراكهم في إدارة الأوقاف واستثمارها بشكلٍ علمي ودقيق. هي خطوة ضرورية لدعم أولاد الريف. وفي حال لم يقوموا بها اليوم فما نفع وجود الأوقاف بلا مسيحيين. أمرٌ آخر مطلوب هو اعتماد مبدأ التضامن الإجتماعي بين المسيحيين، بمعنى أن الكنيسة الأكثر غنى واجبها دعم الكنيسة الأقل غنى. المطلوب هو دعم الوجود المسيحي في المنطقة ومسيحيو الأرياف يحلون أولاً”.

 

الديموقراطية مهما تأخرت “جايي”. إطمئنوا. المسيحيون سيعودون يوم تعود الديموقراطية. لكن، في الوقت الضائع، هناك أمر لا بُدّ من الإنتباه إليه “وهو أن بعض المسيحيين، في دولٍ هم فيها أقليات في منطقة الشرق الأوسط، يدعمون أنظمة إستبدادية ديكتاتورية. هؤلاء، بحسب البروفسور مارون، يجب أن يكونوا حذرين. ويستطرد: أخاف على هؤلاء أن يدفعوا الثمن مضاعفاً. ففي حال حلّت تلك الأنظمة قد تتسبب بنزفٍ مسيحي أشدّ. فليحاذر هؤلاء خصوصاً أن المنطقة، كما هي ظاهرة اليوم، ذاهبة الى أنظمة ديموقراطية عاجلاً أم آجلاً. الآن، نحن في فترة مخاض خطير وتحولات – صحيح بطيئة – لكن الأفق غير مسدود أبداً”.

 

مسيحيو منطقة الشرق الأوسط باقون باقون باقون… شرط أن تعير الكنيسة، التي تطلب منهم الصمود، عنايتها الكاملة لهم، خصوصاً العناية بأهل الريف. مطلوب اليوم التركيز على من بقي من المسيحيين لينموا مجدداً ويتطوروا. وبالتالي، بالتزامن مع تذكير الكنيسة لهم دائما “بأن دورهم أن يبقوا هنا شهوداً للنور” عليها أن تنتبه الى من يصمدون حتى اليوم، فعليهم يُحدد المستقبل.