صواريخ ومسيّرات، قصفٌ وتدمير، شهداء ودماء، نزوحٌ وجروح، هجرة وتهجير، جوعٌ ودموع، ثمَّ… مفاوضات.
لماذا مثلاً لا تكون المفاوضات قبل أن تصبح الشعوبُ طعاماً للحروب، أليسَ هذا من أبرز مهمّات الأمم المتحدة؟
إذا كان لا بدّ من الحروب، فهي تُخاضُ من أجل أن تحقّق الدول بها أفضل ممّا كان قبلها، وهو ما اتُّفِقَ على تسميته “اليوم التالي”.
أمّا أنْ يكون ما بعد الحروب كارثيّاً يقضي على كلّ ما كان قبلها، فهذا نوعٌ من الجنون التاريخي لدى بعض الأباطرة والذي يشرّع الموت “بالقتل المقدّس”.
نحن نعاني هذا الجنون الأمبراطوري بكلّ ما وهَب الإلهُ المزّيف “شعبَهُ المختار” من جهنمية دمويّة.
ولماذا مثلاً تكون المفاوضات، إذا كان كلُّ الذين انخرطوا في الحرب يعتبرون أنفسهم منتصرين وليس هناك من يدفع ضريبة الهزيمة، وكلُّ فريق يحدّد الوصفَ الذي يشتهيه لانتصاره.
حركة “حماس” مثلاً منتصرة في “غزّة ” لأنّ العدو الإسرائيلي لم يحقق هدفَه العسكري بالقضاء كلّياً على الحركة.
أميركا وإسرائيل يعلنان التفوّق الإنتصاري، وإيران تعلن التفوّق عليهما لأنّهما أخفقا في إطاحة النظام.
ومثلما هناك مفهومٌ روحاني للإنتصار بالموت، وهو ما يعتمده الأنبياء والقديسون الزاهدون في الدنيا في انتظار خلود الآخرة.
هناك أيضاً نظرية عقائدية جهادية تنادي بالإستشهاد انتصاراً حتى النَفَسِ الأخير، وهي نظريّةٌ لا تنطبق على سائر الناس، لأنّ هناك بشراً يريدون أن ينعموا بالحياة في الدنيا لا بالموت، وحتى النَفَسِ الآخير.
أنا… كلبناني، ما يعنيني من هذا الخضمّ الهائج الذي اسمُه البحر الأبيض المتوسط هو إنقاذ وطني من مخاطر البحر الأحمر، ومخاطر الوصول إلى إقامة مفاوضات حمراء فيما بين اللبنانيّين كأنّهم يعيشون في بلدَين متقاتلَين.
أكثر ما يخيفني في اليوم التالي ما بعد الحرب، وأنا أسمع القيادات في لبنان، كبارها وصغارها تتبادل بالغ الإتهامات الحادّة والسجالات، بما فيها من سموم التفرقة الوطنية والحزبية والمذهبية، فتتناقلها الأجيال الطالعة، شبابُ لبنان ومستقبله الواعد، بأكثر شراسة وسفالة ومواجهات، حتى يُخيّل إليك أنّ الحرب الأهلية واقعةٌ بين اللبنانيّين بالسكاكين.
وأخطر من ذلك أنّ طبيعة الإنقسام لا تتعلق بالرأي السياسي بل بالإنتماء الوطني، وأخجلُ بأنْ أنقل عيِّنة ممّا أسمع على الشاشات ووسائل التواصل الإجتماعي حول ارتفاع حدود الولاء إلى خارج الحدود، وإلى حدّ التباهي بالإنتماء إلى غير دولة لبنان.
أين هو لبنان الحضاري الضارب في أعماق التاريخ، يوم لم يكن لأكثر دول اليوم وجود؟
هم جعلوه ذراعاً إيرانية ومستعمرةً إسرائيلية، ونحن جعلناه وطناً متخلفاً ودولة محطّمة وشعباً مشرّداً، وما زلنا بسبب جاهليتنا نشهر سيف عنترة بن شداد لنتحرَّر من العبودية.
حبُّ الوطن من الإيمان…
منهم من نسب هذا القول للرسول، ومنهم للإمام علي بن أبي طالب. (1)
والإيمان للوطن، يعني الإيمان لله.
اللهمَّ نجِنّا من وثنية الإيمان بلبنان
1 – حب الوطن من الإيمان: قولٌ للإمام علي بن أبي طالب: أثبته المحقق الإيراني: محمد الريشهري في كتابه: ميزان الحكمة، الجزء الرابع ص. 3566 – والشيخ عباس القمّي، في كتابه “سفينة البحار” – الجزء الثامن – ص: 525.