IMLebanon

بين حكم المحكمة وكارثة المرفأ… تشكيل الحكومة في مهبّ المجهول

 

بعد كارثة المرفأ في الرابع من آب، تلقف العالم معاناة لبنان باهتمام وعناية شديدتين قلّ نظيرهما. ومن باب الإعتبارات الإنسانية شهدنا تسابق دول ومبارزة في تقديم المساعدات. خلال ما مضى من أيام رأينا حراكاً فرنسياً وعربياً قوبل بحضور تركي. كل من يحضر كان يحاول إثبات وجوده على الساحة الى أن حضر الأميركي فتسيّد المشهد. كل ذاك الحضور لم يتم صرفه في السياسة بعد. والحضور الدولي المهم على مستوى فك الحصار المفروض عن لبنان كان عاملاً أساسياً ومساعداً في تعقيد الموقف بدلاً من التسريع في حلحلته. لم نعد نعرف أين أصبحت مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وهل كان ثمة مبادرة فعلاً أم خطأ في التقدير، وماذا حمل المبعوث الاميركي دايفد هيل؟ كل المعطيات المحلية تشير الى وجود خطأ تقدير لبناني لمواقف الموفدين الدوليين بدليل عدم وجود اتفاق على رئيس حكومة او شكل الحكومة المقبلة، أو أن حظوظ رئيس الحكومة السابق سعد الحريري تتقدم دولياً على غيره.

 

المفارقة في المشاورات الدائرة خلف الكواليس بشأن المرشح لرئاسة الحكومة أن خصوم الحريري يتبنّون ترشيحه مجدداً لرئاسة الحكومة فيما حلفاء له يرفضون. وفي المعلومات المتداولة أن رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط لا يبدي تشجيعاً لهذا الترشيح وهو ينأى بنفسه عن الملف الحكومي، لا سيما بعد صدور قرار المحكمة الدولية باغتيال الرئيس رفيق الحريري والذي لم يطابق رهاناته، وهو الذي كان يستعد للعودة الى سابق مواقفه التصعيدية بناء على قرار المحكمة. وليس وحده من شعر بخيبة نتيجة القرار. كثيرون راهنوا على ان موعد النطق بالحكم سيفتح على مرحلة جديدة من تاريخ لبنان بحيث ستكتمل عناصر المواجهة في ضوء كارثة تفجير المرفأ. صدور قرار المحكمة الدولية بالشكل الذي صدر فيه أحدث إرباكاً جعل هؤلاء يتريثون في إعلان مواقفهم من تشكيل الحكومة.

 

عملياً لم يؤثر قرار المحكمة في سير المشاورات الحكومية وقد أعادت زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري الى قصر بعبدا تحريك الجمود الذي ساد أخيراً من دون ان يسجل أي معطى جديد يذكر. وبناء على اتصال هاتفي مسبق توجه بري الى بعبدا ومعه مقاربته للموضوع الحكومي. أبلغ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إصراره على تسمية سعد الحريري كمرشح لرئاسة الحكومة، وموقفه المؤيد لتسريع موعد الإستشارات النيابية كون لبنان لا يملك ترف الإنتظار طويلاً. لبري وجهة نظر ترجح كفة الحريري بعد كل ما جرى وشهده لبنان. لا يختلف بشأنها مع عون الذي قَبِل ترشيح الحريري شرط تشكيل “حكومة أقطاب”، ممثلة بقيادات الصف الأول للقوى السياسية الرئيسية في لبنان. إقتراح يراه رئيس الجمهورية الملاذ الوحيد الذي يوفر على البلاد الدخول مجدداً في سجالات سياسية ويسرع عجلة إتخاذ قرارات مصيرية على مستوى الإصلاح، مطلوبة دولياً ويعيد هؤلاء ليكونوا شركاء في تحمل المسؤولية مجدداً. وعلى أن يستمزج كل طرف الآراء حول ما تم طرحه، اتفق الرئيسان على متابعة المساعي وتكثيفها في غضون الساعات الـ 48 المقبلة بهدف التوصل الى إتفاق على موعد قريب للإستشارت النيابية الملزمة.

 

لكن بالمقابل لم تتضح بعد الأرضية الصلبة التي ينطلق منها بري في إصراره على ترشيح الحريري. فرئيس الحكومة السابق المنهك لكثرة ما يحيط به من عقبات ومشاكل لا يمكن ان يذهب بخيار تشكيل حكومة من دون حامٍ إقليمي هو المملكة السعودية، أو وعود دولية بتقديم مساعدات للبنان تسعفه في أزمته المالية. ومصادر “8 آذار” تعتبر أن أكثر من مؤشر الى أن المملكة لم تبارك عودة الحريري الى رئاسة الحكومة كان آخرها دعوة الخارجية السعودية عقب قرار المحكمة “لتحقيق العدالة ومعاقبة حزب الله وعناصره الإرهابية، وضرورة حماية لبنان والمنطقة والعالم من الممارسات الإرهابية لهذا الحزب”. فضلاً عن أن الفرنسيين لم يتعهدوا مساعدة لبنان على تخطي أزمته الا في ضوء إصلاحات مطلوبة.

 

دفع الحريري الى قبول التكليف بمثل هذه الظروف لا يعدو كونه تعريض مستقبله للخطر. والسؤال هنا هل سيقبل الحريري بتسمية بديل عنه؟ الامر مشكوك فيه لأن اي بديل لن يكون بمقدوره قيادة حكومة سياسية كتلك المطلوب تشكيلها فضلاً عن خشية اي شخصية سنية من تحمل المسؤولية طالما لا تحظى بغطاء سعودي.

 

هي الدائرة ذاتها التي شهدناها عقب استقالة الحريري مع فارق تفاقم الأزمة ورغم ذلك يتصرف المسؤولون بلامسؤولية وكأننا في بلد غير لبنان… هل قلتم ثورة؟