IMLebanon

الأكثرية الجديدة والفخّ الذي يجب تلافيه

 

طوت البلاد صفحة الإنتخابات، وعاد الهمّ الإقتصادي إلى الصدارة مع عودة الدولار إلى الإرتفاع بشكل جنوني. لا شك أن الإستحقاق الإنتخابي بدّل رأساً على عقب المشهد السياسي وموازين القوى الداخلية. رؤوس سقطت، زعامات اختفت، معارضة الأمس اتسعت داخل البرلمان، وكتلة وازنة من قوى التغيير التي كانت تواجه بالضرب والغازات المسيلة للدموع أمام ساحة البرلمان، تدخل إليه بتفويض من «الأمة». ويبقى السؤال: هل هذا التحوّل العميق في التركيبة السياسية سيترجم على مستوى الحوكمة ويغير شيئاً على المستويين الإقتصادي والإجتماعي؟

ليست المرة الأولى التي تحصل القوى المناوئة أو المتمايزة عن «حزب الله» على الأكثرية. حصل ذلك عامي 2005 و2009 ومع ذلك لم يسِر قطار الإصلاحات، ولم تنتظم آلية الحكم. بقي نظام المحاصصة متجذراً والتعطيل سيد الموقف. والمفارقة أن هذا يسري أيضاً على دول في المنطقة مثل العراق تشبه لبنان في تركيبتها وانكشافها على الصراع في الإقليم. هناك أيضاً فازت منذ فترة وجيزة (10 تشرين الأول 2021) القوى المناهضة للنفوذ الإيراني بالإنتخابات وحصدت الأكثرية النيابية، وبالرغم من ذلك لم تستطع أن تترجم فوزها من خلال المؤسسات كما هي الحال في الأنظمة الديمقراطية، وهي حتى الآن عاجزة عن تشكيل حكومة أو انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

هناك أيضاً أدرك العراقيون وعلى رأسهم مقتدى الصدر، الفائز في الإنتخابات، خطورة ما يسمى حكومات الوحدة الوطنية، وبدعة «الثلث المعطل»، لما تشكلانه من تقويض لآلية الحكم. فتمسك منذ اللحظة الأولى بمبدأ حكومة أكثرية لأنها القاعدة الأساس لانتظام عمل المؤسسات، والحوكمة الفعالة، وتفعيل المراقبة والمحاسبة، والضمان الأول لمحاربة الفساد.

صحيح أن الإنتخابات النيابية الأخيرة أعادت التوازن المفقود إلى الداخل اللبناني وقلبت موازين القوى التي أرستها إنتخابات 2018 التي أعطت الأغلبية داخل السلطتين التشريعية والتنفيذية للقوى المتحالفة مع «حزب الله». ولكن صحيح أيضاً أن الإنقسام اليوم تعمّق في الشارع وداخل المؤسسات حتى مع تبدل الأحجام. ولكن المتغير الأساس منذ 2018، ليس فقط تبدّل الأكثرية، إنما أيضاً دخول البلاد في أزمة إقتصادية غير مسبوقة، تتطلب علاجاً سريعاً وجذرياً على كافة المستويات. تتطلب حداً أدنى من التحييد السياسي والتوافق على عناوين إصلاحية أساسية، لا سيما تلك المرتبطة باتفاق الإطار الموقع مع وفد صندوق النقد (7 نيسان 2022)، والشروع في تنفيذها في أسرع وقت ممكن.

فهل يدفع الضغط الإقتصادي الإجتماعي أركان السلطة الجديدة إلى وضع خلافاتهم جانباً لا سيما تلك المتعلقة بصراع المحاور في الإقليم وتركيز جهودهم على تمرير الإصلاحات وتعبيد الطريق أمام برنامج إنقاذي مع صندوق النقد؟ أم يعود القديم إلى قدمه، ويطغى منطق المحاصصة، ومنطق التعطيل وشد الحبال المرتبط به؟ فقوى نظام المحاصصة ما زالت قائمة حتى لو فقدت أكثريتها وداهمتها قوى تغييرية فرزتها صناديق الإقتراع وحملتها إلى مجلس النواب إنتفاضة الشعب اللبناني في العام 2019.

فهل تجرؤ هذه القوى السيادية التغييرية على رفض التمديد لنظام المحاصصة، وهل ستنجح بتجنب الوقوع في فخ القبول بمبدأ حكومات الوحدة الوطنية تحت أي عنوان أو مبرر، ميثاقية أو غيرها، والإلتزام بمبدأ الأكثرية والأقلية المؤسس للديمقراطية وللحوكمة الرشيدة؟

15 أيار 2022 أعاد التوازن إلى مجلس النواب عبر صناديق الإقتراع وهذا بحد ذاته إنجاز. أما تغيير نظام المحاصصة فقد يتطلب أكثر من ذلك. ما هو مؤكد أن هذا النظام غير قابل للحياة وفقد مقومات البقاء. فإما يصار إلى استبداله عبر الإصلاحات والعودة إلى الدستور أو يطيح به الإنفجار الإقتصادي الإجتماعي القادم… إنفجار، ما هو إلا صنيعته.